مؤتمر الشيشان.. إخراج «السلفية والوهابية» من نطاق أهل السنة

بينما كانت «داريا» السورية المحاصرة منذ عام 2012، تفرغ من سكانها المسلمين السُّنة قبل ثلاثة أيام، عُقد في عاصمة الشيشان «غروزني» مؤتمر عنون بـ«مؤتمر أهل السنة والجماعة»، لوضع تعريف من «هم أهل السنة والجماعة» أو لـ«تصويب الانحراف الحاد والخطر» في هذا التعريف، كما قال القائمون على المؤتمر.

حصر المؤتمر أهل السنة والجماعة في «الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكيةً»، ليعني ذلك إخراج كل من خالفهم من دائرة السنة والجماعة، وهو الهدف الذي أقيم من أجله المؤتمر، برعاية الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، وروسيا، وإيران، وبحضور مفتي مصر، وسوريا، وثُلة من مشايخ الأزهر.

لماذا يبحث المؤتمر عن أهل السنة اليوم؟

يرى الأستاذ في مركز التشريع الإسلامي والأخلاق -جامعة حمد بن خليفة- د.معتز الخطيب، أن المؤتمر هو مؤتمر سياسي يتخفى تحت ستارٍ علمي، لذلك تأتي الإجابة على سؤال: لماذا بحث المؤتمر «من هم أهل السنة اليوم»؟ سياسية وليست علمية، كون السؤال مبنيًا اليوم على رؤية محددة للعنف والإرهاب، وهو أنه صادر عن «الوهابية» أو السلفية. ولذلك الحل يكون بإخراجها من أهل السنة، تحت راية مشايخ الأنظمة الاستبدادية، كما يقول الخطيب.

وتابع الخطيب القول: «السؤال ليس راهنًا، ولا علاقة له بما يجري اليوم، والجمهور السني كله لا يعرف من هم الأشعرية والماتريدية. والإجابة التراثية عليه معروفة من قديم، وهم: الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث. ولكن جاء المؤتمر ليحرف التراث والتاريخ، ويزيف الحاضر». ويستدرك: «الأهم أن أهل السنة هؤلاء لا يدافعون ولا يتكلمون كلمة واحدة، دفاعًا عن أهل السنة الذين يقتلون كل يوم منذ سنين في سوريا والعراق وغيرهما، بل يقفون مع القاتل».

ويرى الخطيب أن المؤتمر يحيل إلى سياق صراع سياسي، يمثل محور روسيا المناهض للثورات، والداعم للثورة المضادة. مضيفًا: «المؤتمر يتبنى الرؤية الروسية تحديدًا التي حذرت على لسان لافروف في 2012، من قيام حكم سني في سوريا لو سقط الأسد، واليوم تسعى لإعادة صياغة مفهوم «أهل السنة»، للحفاظ على الأنظمة الاستبدادية في مصر وسوريا، وعبر مشايخ البلاط».

وتابع القول: «لذلك سنجد رموز المؤتمر كلهم من الداعمين للانقلاب العسكري في مصر، وللنظام السوري«. كما أن اختيار الشيشان تحت رئاسة قديروف يعكس صورة «السلم» المراد إرساؤه في منطقتنا، وهو السلم الذي تأسس على الاستبداد والقهر، كما يقول الخطيب.

ويوضح الخطيب الحاصل على الدكتوراه في «رد الحديث من جهة المتن بين المحدثين والأصوليين»، أن المؤتمر هيمن عليه التيار الصوفي السياسي المتمثل في مفتي مصر الطيب، وجمعة، والجفري، وقديروف نفسه الذي يدعي بعض الخرافات الصوفية، كإحدى أدوات الاستبداد الذي يمارسه، مضيقًا لـ«ساسة بوست»:» شيخ الأزهر ألح في أكثر من مناسبة على أن (أهل السنة والجماعة) هم: الأشعرية، والماتريدية، وأهل الحديث. ولكنه لم يستطع أن يفرض هذا الرأي على بيان المؤتمر الذي أُعد خصيصًا، لإخراج السلفية والوهابية من أهل السنة».

مؤتمر سياسي يلبس عباءة الدين

خرج المؤتمر بتوصيات، أهمها: توجيه النصح للحكومات، بضرورة دعم المؤسسات الدينية والمحاضن القائمة على المنهج الوسطي المعتدل، والتحذير من خطر اللعب على سياسية الموازنات، وضرب الخطاب الديني ببعضه.

يعتبر الباحث في علوم الشريعة مسعود صبري أن خروج المؤتمر بأهم توصية، وهي أن مفهوم السنة والجماعة يقتصر على «الأشاعرة والماتريدية والصوفية»، هي توصية صادمة للجميع، ويوضح: «دور العلماء عامةً، والأزهر خاصةً، هو السعي لوحدة الأمة، وجمع شتاتها، لكن الممثلين للأزهر في المؤتمر ومن معهم، وإن كان هؤلاء العلماء والدعاة كثيرًا ما دعوا للم الشمل، وأن الأمة بحاجة إلى وحدة الصف، وأن الاختلاف سائغ؛ فإذا بهم يقعون فيما يحذرون منه، فترتب على كلامهم تفريق الأمة، وزيادة الشحناء والبغضاء».

ويبدي صبري استغرابه من أن كثيرًا ممن شاركوا في المؤتمر، يرون الشيعة من الأمة، مع ما بين الشيعة وأهل السنة من الاختلاف العقدي والفقهي، لكنهم رأوا أن الاتجاه السلفي في العقيدة، وهو في ميزان كل عاقل أصوب من مذهب الأشاعرة والماتريدية، لكنهم رأوا أنه لا يمثل أهل السنة والجماعة، حسب صبري.

وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «الحق أن هذا المؤتمر ليس مؤتمرًا دينيًّا في حقيقته، بل هو مؤتمر سياسي يلبس عباءة الدين، فمقصود أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة، يعني الأزهر بسياسته الحالية ومن سار في ركبه، والماتريدية مقصود بهم الصوفية؛ باعتبار أن غالب من يتبع المذهب الماتريدي صوفيون»، مشددًا على أن: «هذا المؤتمر جاء مخيبًا للآمال، مفرقًا للأمة، شاقًا للصف، ويكفي من الموقف منه ما قوبل به من الانتقاد والرفض، وإن الواجب على العلماء أن لا يكونوا خدمًا للساسة، وأن يكونوا مرجعًا للأمة، وأن يبتعدوا عما كان سياسيًّا خالصًا، وأن ما وجب بيانه من الرأي الشرعي في جميع المجالات، ومنها المجال السياسي، واجب عليهم بيانه للناس، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } [آل عمران: 187].

مؤتمر لتكريس الاستقطاب العقدي والفكري

يبدي أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية د. وصفي عاشور أبو زيد، استغرابه من عقد مثل هذا المؤتمر في هذا الوقت، فلا مدارس العقيدة موجودة، ولا لها أثر في علاج واقع الأمة، بل إن ذلك يزيدها تمزقًا وتشتتًا، ويؤدي إلى أن تنتفض بعض البلاد للرد على هذا الفريق، لا سيما بعد استبعاد أهل الحديث من أهل السنة، كما يقول د. أبو زيد.

ويعتبر أبو زيد أن: «هذا المؤتمر كله من علماء السلطة، وعملاء الشرطة، من أمثال: حسون وعلي جمعة وعلي الجفري وغيرهم، وقد حصروا أهل السنة في الأشاعرة والماتريدية وأهل المذاهب الأربعة والصوفية، وهو تعصب لا يخفى، وفي قضية تراثية تاريخية ماتت ومات أهلها، ولم يعد لها أي تأثير أو أثر في قضايا أمتنا وواقعنا المعاصر».

ويستهجن أبو زيد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» عقد المؤتمر في رحاب روسيا الاتحادية، التي تعيث في الأرض فسادًا، وتقتل المسلمين في سوريا وغيرها، ويقول: «كنا ننتظر من شيخ الأزهر عضو لجنة سياسات الحزب الوطني في مصر، والذي حضر مشهد الانقلاب الدموي، أن ينصح روسيا أو حاكمه السيسي، بأن يكفوا عن القتل وسفك الدماء والظلم والقهر والاعتقالات والمطاردات، بدلًا من أن يجلس مع أكابر المجرمين ممن أطلقوا على أنفسهم (علماء المسلمين)، ويوصي بتوجيه النصح للحكومات بضرورة دعم المؤسسات الدينية لتعزيز الفكر الوسطي المعتدل، الذي يدمره هؤلاء الطغاة بممارساتهم وقتلهم وطغيانهم». ويختم بالقول: «إن هذا المؤتمر يأتي في وقت مريب، ويعالج قضية لا حاجة لنا بها، وفي مكان مريب، لا يمكن أبدًا أن يُظن به خير أبدًا، ولن يترتب عليه مصلحة في سبيل وحدة الأمة أو نهضتها، وإنما يأتي لصالح تمزيق الأمة، وتكريس الاستقطاب العقدي والفكري فيها».

نتائج المؤتمر تمس السعودية وتخرج مذهبها

يرى البعض أن المؤتمر قد خرج برعاية رئيس الشيشان رمضان قاديروف، وروسيا، وإيران، وبحضور مفتي مصر وسوريا، وهو ما شكّل أداة وظفها هذا المحور لتحقيق رؤية ما. لذلك يشدد الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي ساري عرابي أن هناك دوافع مذهبية لدى الشيشانيين، متعلقة بموقف الرئيس الشيشاني من السلفية الجهادية التي قتلت والده، وقادت المشروع الجهادي المناوئ له في الشيشان.

وكذلك بموقف روسيا التي قاتلت، وما تزال تقاتل هؤلاء الجهاديين في القوقاز، وهذه الأغراض تلتقي مع بعض المذهبيين من خصوم «الوهابية»، ومع أغراض أنظمة سياسية عربية تعادي الجهاديين خصوصًا، والإسلاميين عمومًا، حسب عرابي، الذي يرى أيضًا أن كثيرًا من المؤتمرين يتبنون مواقف شديدة العداء للإسلاميين، وشديدة التبعية للأنظمة الحاكمة المستبدة، وقد التقت مصلحتهم مع المذهبيين الذين يبالغون في العداء لما يسمونه بالوهابية.

ويبين عرابي لـ«ساسة بوست» أن: «هناك أهداف متعلقة بحصار الإسلاميين والجهاديين، وخلق مناخات وأجواء ومؤسسات علمية تابعة للأنظمة، والجهات المنظمة لهذا المؤتمر، تستخدمها بما يحقق مصالحها، ومنها إشغال العلماء بقضايا كلامية منفصلة عن احتياجات المسلمين الراهنة«، مشيرًا إلى أن: «نتائج المؤتمر تمس السعودية بالتأكيد، لأنها أخرجت المذهب المتبوع فيها من مفهوم أهل السنة والجماعة، وقد يكون هذا مقصودًا لذاته سياسيًّا».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s