الهجمات الفردية.. وسيلة داعش لتمزيق الغرب

تشير سلسلة من الهجمات الإرهابية التي قام بها أفراد في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، وأماكن أخرى إلى أن هذه الظاهرة لا تزال تنتشر وتتزايد شراستها.

ففيما بين أكتوبر 2015 وأغسطس 2016 نفذ أفراد متطرفون أو خلايا قليلة الأفراد 20 هجوما في استجابة لدعوة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى قتل المدنيين “الكفار” دون تمييز.

ويرى باراك مندلسون، في مقال نشرته “فورين أفيرز” أن هناك عدة فوائد تجنيها داعش من سياسة الهجمات التي يقوم بها أفراد: أولا، أن هذه الهجمات غير مكلفة وسهلة نسبيا. كما انها لا تحتاج منها الى تخطيط أو حتى اتصال مع مرتكبيها، أو معرفتهم.

وثانيا، من الصعب اتخاذ تدابير وقائية ضدها، حيث يصعب تحديدها في وقت مبكر، لأن المنفذين ليس لديهم اتصال مباشر بداعش، وثالثا، تضر مثل هذه الهجمات بمعنويات الأمة وقيادتها، حيث تثير الذعر في صفوف المدنيين بينما تظهر الحكومات عاجزة بل وغير كفء.

الرابعة، في أن انتشار الإرهاب الفردي في جميع أنحاء العالم يعزز صورة داعش، ويوحي لكل من أعدائها والمتعاطفين معها بانتشارها وشعبيتها، وهناك منطق استراتيجي أيضا يدفع تنظيم الدولة الإسلامية إلى الاعتماد بشكل  أكبر على  المنفذين المستقلين.

وتتطلع داعش إلى استعادة قوتها وصورتها مع ما تشهده من هزائم في العراق وسوريا، وليبيا، وتساعد الهجمات التي ينفذها أنصارها في تحقيق هذا الغرض كما تعتبر وسيلة مهمة لحشد الأعضاء.

ويمكن لعدد كبير من الهجمات غير المنسقة  ـ خلال فترة قصيرة من الزمن ـ أن تخل بالتوازن الدقيق بين الحرية والأمن في المجتمعات الغربية وتعزز أهداف سياسية خاصة بالتنظيم، مثل استخدام المشاعر المعادية للإسلام في الغرب لتغذية آلة دعايتها.

وتعتبر داعش أول مجموعة جهادية تدعو إلى “الجهاد بلا قيادة”، وهو مصطلح ابتدعه مارك سيجمان، الخبير في الشبكات الإرهابية، وقد سبقها تنظيم القاعدة في هذا الصدد، ولكن مع قدر أكبر من الحذر ونجاح أقل من ذلك بكثير.

فقد غير تنظيم القاعدة من استراتيجيته الأصلية، وبدأ الترويج للامركزية الجهاد بعدما شلت الولايات المتحدة عملياته عقب هجمات 11/9، وبعد أن فقدت القاعدة ملاذها الأمن ومعسكرات التدريب في أفغانستان، سعت إلى تعويض ذلك في الفضاء الإلكتروني، وبدأت من خلال شبكة الإنترنت، تنشر كتيبات التدريب وإصدار تعليمات لأتباعها حول كيفية تنفيذ الهجمات.

حتى أن فرع التنظيم في السعودية استخدم مجلة “معسكر البتار” على الانترنت، في التدريب العملي. وبعد عدة سنوات، أصدر فرعها في اليمن مجلة اليمنية “إنسباير” (باللغة الإنجليزية وتعني الوحي بالعربية)، تشمل موادا  تعليمية مثل “كيف تصنع قنبلة في المطبخ)

ورغم هذه المحاولات، أبدى تنظيم القاعدة حذرا، على الأقل بالمقارنة مع داعش، في استخدام هجمات الأفراد،  وينبع التناقض من خشية تنظيم القاعدة وضع ثقته في متعاطفين غير معروفين وقد لا يمكنه السيطرة عليهم.

فقد أضر العنف العشوائي الذي مارسه أبو مصعب الزرقاوي ـ زعيم الفرع العراقي لتنظيم القاعدة حتى وفاته في 2006، والأب الروحي لداعش ـ بسمعة تنظيم القاعدة باعتباره بطلا لجموع المسلمين، ولقن قادتها درسا قاسيا حول مخاطر الوكلاء المارقين.

وأدت هذه التجربة، إلى خسارة التأييد في العراق وأماكن أخرى في الشرق الأوسط، ومن ثم، ظل التنظيم يخشى دائما التعرض لإصابة ذاتية أخرى. ويرى أن شن حملة إرهابية مركزية فعالة، يستلزم على أقل تقدير، صياغة مبادئ توجيهية واضحة لضمان أن تتماشى الهجمات مع الخطة الاستراتيجية للجماعة.

بل أن زعيمها أسامة بن لادن، رفض مقالا نشرته مجلة “انسباير” يشجع الأفراد على تغطية مقدمة شاحنة بشفرات حادة وقيادتها وسط حشد من المدنيين. وطلب من مساعديه أن ينقل إلى الفرع اليمني مخاطر مثل هذا الأسلوب، الذي يحتمل قتل مسلمين ويقوض الدعم الشعبي للجماعة.

وبعد مقتل بن لادن، واصل خليفته أيمن الظواهري التأكيد على أن القتل العشوائي، خاصة عندما يؤدي إلى وفاة الأبرياء من المسلمين، يمكن أن تضر بقضيتهم، حتى انه طرح في  2013، وثيقة بعنوان “مبادئ توجيهية عامة للجهاد،” لمساعدة أعضاء تنظيم القاعدة والمتعاطفين معهم على فهم حدود العنف “المفيد”.

غير أن داعش ليس لديه نفس القدر من الهواجس بشأن استخدام العنف العشوائي، ففي حين أن تنظيم القاعدة يعزز الاستهداف الانتقائي، في خدمة الاستراتيجية التي تعطي الأولوية للتعامل مع الولايات المتحدة قبل الشرق الأوسط، تتبنى داعش، وتشجع، الوحشية القاسية ضد عدد متزايد باستمرار من “الكفار”.

كما توافق على استهداف الغربيين والشيعة ، وحتى المسلمين السنة الآخرين الذين يرفضون قبول سلطتها؛ فهي تعتبر غير المسلمين أهدافا مشروعة في حين ترى القتلى  المسلمين أضرارا جانبية مقبول.

وبطبيعة الحال، عندما  يكون العنف الهدف الوحيد، فأي هجوم يرتكبه أفراد، بغض النظر عن الدافع النفسي أو السلوك، يعتبر مساهمة قيمة. ولا تطلب داعش من منفذي العمليات الفردية، سوى ترك رسالة على فيسبوك أو يوتيوب قبل شن الهجوم، تعلن الولاء للجماعة وخليفتها أبو بكر البغدادي.

ويوضح مندلسون أن هجمات الأفراد المستقلين، وإن كانت لا تزال غير شائعة نسبيا، إلا أنها آخذة في الارتفاع وانعكاساتها المحتملة كبيرة. وعندما تنمو هذه الهجمات ككرة الثلج، مع تزايد عدد الأفراد الذين يجدون أهداف داعش جذابة ومشروعة، يمكن أن تخلف جنبا إلى جنب مع عمليات داعش، خسائر بشرية واقتصادية ضخمة. ولكن التهديد الأكبر، قد يكون تأثيرها على المجتمعات الغربية ككل.

وعندما تقنع داعش المسلمين، الذين هم إما مواطنون غربيون أصلا، أو مجرد مقيمون في الغرب، بتنفيذ هجمات في محيطهم، فإنها تأمل في خلق شرخ بين المدنيين غير المسلمين والمسلمين في الغرب.

وتسعى الجماعة لإجبار المسلمين في الغرب على انحياز إلى جانب، ما تفسره بأنه محو “المنطقة الرمادية” – بمعنى التمييز الواضح بين “أصدقاء” (المسلمين) و “أعداء” (غير المسلمين).

وللأسف، فإن التصريحات المعادية للأجانب والمعادية للإسلام من بعض القادة الشعبويين وكذلك اتخاذ تدابير رمزية تستهدف
المسلمين مثل الحظر الذي فرضه مؤخرا،  عدد من المدن الفرنسية، على ملابس السباحة  التي تغطي كامل الجسم أو البوركيني، لا تخدم سوى مصالح داعش. ويؤكد كاتب المقال على أن تزايد الشكوك تجاه المسلمين وحتى معاداتهم لا يخفف من التهديد.

بل أن هذه الجماعات المتطرفة لا تقوى إلا عن طريق تربية الشعور بالاغتراب وتأجيج التطرف. ويمكن أن تكون النتيجة تآكل نسيج المجتمعات الغربية وإضعاف المبادئ الأساسية.

ويوضح الكاتب أن التجربة الإسرائيلية تحذر من أن تعمق طريقة محاربة الإرهاب الفردي الانقسامات بين المجتمعات. فردا على موجة من الهجمات التي يشنها شبان فلسطينيون، ومعظمهم يعملون من تلقاء أنفسهم، دعا القادة الإسرائيليون مواطنيهم إلى المساعدة في تحييد المهاجمين.

وكانت استجابة المدنيين عنصرا حاسما في الحد من عدد هذه الهجمات وقوتها، ولكن الاستعانة بالمصادر الخارجية يكون بمقابل . فقد أدى تمكين الإسرائيليين، الذي يتخوفون من أي شخص يبدو فلسطينيا، ولكن من دون تدريبهم بشكل  صحيح الإسرائيليين ، إلى قتل المهاجمين بدلا من السيطرة عليهم ، مما زاد من التوترات.

وفي بعض الحالات، يتم قتل المدنيين الأبرياء. والأهم من ذلك، أن التمييز، بل وأحيانا العنف الشديد، الموجه ضد عرب إسرائيل، أدى إلى تضخم الحقد داخل المجتمع الإسرائيلي. ويدعو مندلسون  القادة الغربيين إلى تذكر أن عليهم ألا يخلقوا مجتمعات تستخدم معايير تعسفية عادية للأجانب للتمييز بين الأصدقاء والعداء، خاصة أن داعش لا تخفي أنها تسعى لتقسيم هذه المجتمعات.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s