الحواجز الإسرائيلية: أبرتهايد القرن الحادي والعشرين

عدد المركبات في ازدياد، حتى أن السائقين باتوا يحتلون الأرصفة التي تعج بالمارة، فالكل منتظر أن يتقدم خطوة إضافية، ليتخلص من جحيم الانتظار في الشمس الحارقة. ويواصل الجنديان حديثهما غير عابئين بمئات المنتظرين على طرفي هذا الحاجز العسكري، فيحتار الجمع في جهة السير التي يحتشد فيها أيضًا باعة جائلون، وأجراء يجرون عربات تحمل البضائع، وأمتعة المسافرين. فتتكدس الأجساد البشرية، كأنما تؤهل لتُوضع في محرقة جماعية.


«المحسوم» ممرات إجبارية لإعدام الفلسطينيين

المحسوم هي كلمة عبرية تعني الحاجز العسكري، وقد أصبحت جزءًا من القاموس اليومي للفلسطينيين، يشعر الكل عند النطق بها، بأنها غصة ومرارة في حلقه، يتمنى أن يتخلص منها، فيقولها الكبار والصغار بكثير من الضجر دون أن يدققوا في معناها فينطقونها غالبًا «المحسون»، فهي حائطًا في وجه الفلسطينيين الذين يرون فيها وسيلة إسرائيلية لكسر إرادتهم، بينما تقول إسرائيل إنها جزء من احتياطاتها الأمنية حيث لا مفر منها، فتدّعي السلطات الإسرائيلية أن هذه الإجراءات ضرورية لضمان أمن المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في دولة الاحتلال، وفي مستوطنات الضفة الغربية.

حواجز الاحتلال الإسرائيلي هي نقاط إذلال للفلسطينيين، يخضعون فيها لأنواع مهينة من التعذيب، ويُتوفى على أعتابها الكثير من المرضى والشيوخ.

وتقوم هذه «المحاسين» أو الحواجز بتقييد حركة حوالي 2.7 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية، وتعيق وصولهم إلى الخدمات الأساسية وأماكن العمل والعبادة والدراسة.

ويتم تطبيق التقييدات التي تفرضها إسرائيل على حركة تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية بواسطة شبكة من الحواجز الثابتة، أو الحواجز الفجائية المتنقلة.

فتمنع تلك الحواجز مرور الفلسطينيين في الشوارع التي يستخدمها المستوطنون. كما أن الفحوصات وعمليات التفتيش المستمرة التي يقوم بها الجنود على الحواجز، إلى جانب المعاملة المهينة والدور الطويل، تردع السائقين الفلسطينيين عن استعمال قسم من الشوارع التي تسري عليها التقييدات والمنع. نتيجة لذلك، فقد تقلصت حركة الفلسطينيين في جزء من الشوارع الرئيسية في الضفة الغربية، بينما تتوفر هذه الشوارع للاستعمال الحصري من قِبل المستوطنين.

ليس هذا وحسب بل يرى خبراء في الشئون الإسرائيلية أن حواجز الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، كانت وما زالت تُشكّل ساحة إعدامات للفلسطينيين على يد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي بحجج واهية، منها عدم الانصياع لأوامر الجنود على الحاجز، أو محاولة طعن جندي، أو محاولة سرقة أسلحة من جنود.

ولا شك أن «محاسيم» أو حواجز الاحتلال الإسرائيلي هي نقاط إذلال للفلسطينيين، يخضعون فيها لأنواع مهينة من التعذيب، فعلى هذه الحواجز، ينتظر الشيوخ والنساء والأطفال والرجال، الأصحاء منهم والمرضى، لساعات طوال في حر الشمس وبرد الشتاء. وقد توفي الكثير من المرضى لمنعهم من اجتياز الحواجز، أو نتيجة تأخير مرورهم في بعض الحالات. وتم تسجيل حالات ولادة ووفيات بين أمهات ومواليد، وهذه الانتهاكات تكررت على حواجز الاحتلال خلال فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما زالت مستمرة حتى الآن.


أبشع من الأبرتهايد

ذُهل الوفد الجنوب إفريقي الذي زار فلسطين، من طبيعة الإجراءات الإسرائيلية ذات الطبيعة الشمولية التي فرضتها على الفلسطينيين، وقد وصفوها بأنها إجراءات فاقت إلى حد بعيد ما قامت به حكومات جنوب إفريقيا في مرحلة الأبرتهايد.

فلم يكن هناك في أسوأ مراحل الفصل العنصري شوارع للسود وأخرى للبيض، كما هو حاصل في الأراضي المحتلة، حيث شوارع للعرب وأخرى لليهود، وما زاد هذا الوفد ذهولًا وحيرةً، وجعل مصطلح «الفصل العنصري» غير قادر على توصيف الحالة الفلسطينية تحت الاحتلال، هي الحواجز التي تفصل ليس بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، وإنما بين الفلسطينيين أنفسهم. فإسرائيل كما هو معروف قسمت الأراضي المحتلة وقطّعتها لمعازل صغيرة، فحوّلت حياة السكان إلى جحيم.

في أسوأ مراحل الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لم يكن هناك شوارع للسود وأخرى للبيض، كما هو في فلسطين، حيث شوارع للعرب وأخرى لليهود.

وقد بدأ الاحتلال بتجزئة المُجزَّأ في أثناء الحرب ضد العراق عام 1991، حيث أوقفت السلطات الإسرائيلية حركة النقل ليس بين المناطق المحتلة وإسرائيل، وإنما بين المدن والقرى الفلسطينية ذاتها، وقد استثمر الاحتلال المفاوضات التي أسفرت عن اتفاقية أوسلو، فقام بتوقيع معاهدات فرضت حقائق جديدة على الأرض، فازدادت الحواجز العسكرية الدائمة والمؤقتة على طول الحدود بين الضفة وغزة من جهة، وبين بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة من جهة أخرى، وتم إحكام السيطرة عليها من قِبل قوات الاحتلال الإسرائيلية.

وقد تشدّد الإسرائيليون في دخول الفلسطينيين، فأخذت السلطات الإسرائيلية بسياسة الفصل والإغلاق العسكري لكافة المدن والقرى الفلسطينية، بما في ذلك ممرات الدخول لإسرائيل، وأغلقت الجسور والمعابر، ومنعت الفلسطينيين من السفر للخارج، فشلّت كافة مناحي الحياة والمرافق العامة في المناطق الفلسطينية.

وقد بلغ عدد الحواجز عام 2001 – أي بعد مضي عام واحد على انتفاضة الأقصى – 190 حاجزًا، وزادت أعدادها بعد ذلك لتصل إلى مئات الحواجز، وبلغ عدد الحواجز حول رام الله فقط 32 حاجزًا في مارس من عام 2002.

وفي شهر إبريل 2015 وصل عدد الحواجز الثابتة المنصوبة في الضفة الغربية إلى 96 حاجزًا، من بينها 57 حاجزًا داخليًا منصوبًا في عمق الضفة الغربية، بعيدًا عن الخط الأخضر، كما شملت أيضًا 17 حاجزًا منصوبة في منطقة H2 في الخليل، التي يوجد فيها نقاط استيطان إسرائيلية.

وهناك 39 حاجزًا من بين الحواجز الثابتة تعتبر نقاط فحص أخيرة، قبل الدخول إلى الأراضي المحتلة، رغم أن معظمها يقع على بعد كيلومترات إلى الشرق من الخط الأخضر، 32 من هذه الحواجز معززة بقوة ثابتة، وهي مغلقة أمام الحركة عندما لا تكون معززة.

بالإضافة إلى ذلك، ينصب الجيش الإسرائيلي على امتداد شوارع الضفة الغربية المئات من الحواجز الفجائية المتنقلة. فقد تفاوت عددها بشكل ملحوظ عن السنوات السابقة، حيث أحصى مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية حوالي 65 حاجزًا بين شهر سبتمبر 2008 وشهر مارس 2009، و256 حاجزًا في شهر ديسمبر 2013، و456 حاجزًا في شهر ديسمبر 2014، وما يقارب من 361 حاجزًا في شهر إبريل 2015.

وجدير بالذكر أن بعض هذه الحواجز تمنع عبور المركبات الفلسطينية الخصوصية، باستثناء من يحملون تصاريح خاصة، وتسمح في العموم بمرور المواصلات العامة والمركبات التجارية فقط.


كيف أضافوا الجناية على الخطيئة؟

كشفت منظمة «بيتسليم» في تقرير نشرته سابقًا، أن غالبية الجنود وأفراد شرطة حرس الحدود الذين شاركوا في عمليات تنكيل ضد فلسطينيين على الحواجز الإسرائيلية، لم يعاقبوا على تلك الجرائم التي تعتبر جزءًا من واقع الاحتلال، وأشار التقرير إلى أن عدم تقديم الجناة للمحاكمة يعود عادة إلى استهتار الشرطة العسكرية بالموضوع، فالفلسطينيين يمتنعون عن تقديم شكاوى لسلطات الاحتلال لعدم ثقتهم بها، إذ يرون أنه لا جدوى من وراء ذلك، إلى جانب خشيتهم من أن تقديم الشكوى قد يعرضهم لمزيد من التنكيل.

وقد رفضت المنظمة سياسة الحواجز التي ترتكز عليها حكومة الاحتلال. وذكرت في منشور لها على صفحتها الإلكترونية أن: «أحد الأهداف المصرح بها بخصوص سياسة فرض القيود على حرية تنقل الفلسطينيين هي الحفاظ على أمن المستوطنين، وعلى ضوء عدم قانونية المستوطنات ذاتها، فإن هذا يأتي كإضافة الجناية على الخطيئة».

وتابعت المنظمة في بيانها قائلةً أن: «سلطات الاحتلال تقوم بالمس غير التناسبي بحرية الحركة بالنسبة للسكان جميعًا، من أجل تنفيذ وتخليد سياسة غير قانونية في الأصل. لكن، حتى لو كانت القيود تهدف إلى منع العمليات الفلسطينية داخل إسرائيل ذاتها، وليس المستوطنات، فإن هذه السياسة تبقى غير قانونية، إن واقعها يجعلها عقابًا جماعيًا محظورًا».

يتشدق المجتمع الدولي بالحديث عن حقوق الإنسان، ويلعن الأنظمة النازية والفاشية التي تفننت في التنكيل بالبشر واضطهادهم، ولكنه يظل صامتًا أمام جرائم الاحت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s