هل تنتهي الحرب الأهلية في كولومبيا بعد أكثر من نصف قرن؟

أكثر من نصف قرن من الحرب الأهلية الكولومبية المستمرة، فما بين اشتباكاتٍ مسلحةٍ، وقتل، وتعذيب، وخطف، واغتصاب، وتهجير، ونزوح، واختفاء قسري… أعلنت الحكومة الكولومبية عقد اتفاق سلام تاريخي بينها وبين القوات المسلحة الثورية الكولومبية، والتي تُعرف باسم حركة «فارك»، والذي تَضَمَّن عددًا من النقاط التي سيتم طرحها للاستفتاء الشعبي في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) القادم؛ لتحديد إمكانية تنفيذ بنود الاتفاق من عدمه. وفي هذا التقرير نشرح لك أهم بنود الاتفاق وأطرافه، بالإضافة إلى وضع صورة عامة لما حدث في الحرب الأهلية في كولومبيا على مدار 52 عامًا من الصراع.

بدايةً.. متى وكيف بدأت الحرب الأهلية في كولومبيا؟

بدأت الحرب الأهلية الكولومبية في منتصف الستينات، وتحديدًا في 1964 أثناء الحرب الباردة؛ حيث نشبت بين الحكومة الكولومبية المعادية للشيوعية كطرف أول، والقوى اليسارية الشيوعية كطرف ثانٍ، والتي مثَّلتها القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك»، وجيش التحرير الوطني الكولومبي. غير أن جيش التحرير الوطني الكولومبي، وهو الأقل عددًا وتنظيمًا وتورطًا في الجرائم المختلفة، خاصةً في تجارة المخدرات، وذلك مقارنةً بحركة «فارك».

ويتبني كل من أعضاء حركة فارك، و«جيش التحرير الوطني»، الماركسية والشيوعية كمرجع فكري، وأيديولوجيا لهم، غير أن جيش التحرير الوطني يتبنى «لاهوت التحرير» إضافةً إلى الماركسية.

أُسست حركة فارك في البداية كجناح عسكري للحزب الشيوعي الكولومبي؛ لتحارب حزب «المحافظين» الحاكم في كولومبيا، غير أنها تورطت في تجارة المخدرات منذ ثمانينات القرن الماضي؛ مما أدى إلى انفصال الحركة والحزب الشيوعي. وتُقدَّر أعداد المنضمين للحركة المسلحة بحوالي ثمانية آلاف جندي، أكثر من 30% منهم أطفال تحت سن الثمانية عشر عامًا. ويسيطر أعضاؤها على حوالي 20% من أراضي الدولة الكولومبية والغابات والأدغال والمناطق الجبلية في منطقة «جبال الإنديز»؛ حيث تشن هجمات من فترة لأخرى.

تُعلن الحركة نفسها على أنها المدافعة عن حقوق الفقراء ضد بطش الأغنياء والرأسمالية، بالإضافة إلى إعلانها أنها تحارب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شئون كولومبيا، ودول أمريكا اللاتينية بشكل عام؛ من أجل نشر الأفكار الرأسمالية، والشركات متعددة الجنسيات، وخصخصة الموارد الطبيعية.

ماذا حدث في الحرب الأهلية على مدار نصف قرن؟

تعتبر الحرب الأهلية الكولومبية أحد أطول الحروب الأهلية في التاريخ المعاصر؛ وذلك نظرًا لاستمرارها على مدار 52 عامًا كاملةً. وعمليًا.. لم تكن الأطراف المتصارعة هي الحكومة الكولومبية كطرف، وفارك وجيش التحرير الوطني كطرف ثانٍ فقط، بل كان هناك دعم بشتَّى الطرق، ماديًا ومعنويًا، لكلا الطرفين من قبل أطراف أخرى داخلية وخارجية؛ حيث كانت الحكومة الكولومبية بجميع أجهزة الدولة المسلحة الرسمية، كالقوات البحرية، والجيش الرسمي الكولومبي، والشرطة الكولومبية مدعومين من قبل دول خارجية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وبعض من الدول الأوروبية: كأسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا. أمَّا داخليًا فدُعمت من قِبل أكبر «ميليشيات» وعصابات تجارة المخدرات في البلاد، وهي قوات الدفاع الذاتي المتحدة الكولومبية.

أمَّا الجماعات اليسارية المسلحة، كفارك، وجيش التحرير الوطني، فقد حصلت أيضًا على دعم داخلي وخارجي: فداخليًا دُعمتا من قبل عصابات وميليشيات مسلحة، مثل «جيش التحرير الشعبي»، و«حركة التاسع عشر من إبريل (نيسان)»، و«حزب العمال الثوري الكولومبي» وغيرها. وتحصل فارك على تمويلها الأكبر من تجارة المخدرات، بالإضافة إلى عمليات الخطف والابتزاز، فضلًا عن الدعم والتمويل الخارجي التي تحص عليه من قِبل فنزويلا، وكوبا، والاتحاد السوفيتي حتى تاريخ سقوطه.

أُدرجت فارك ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2001، بينما رفضت كوبا وفنزويلا هذا التصنيف؛ نظرًا للتقارب الفكري والأيديولجي بين البلدين والحركة.

ومن المعروف أن الحروب والصراعات العسكرية دائمًا ما يدفع ثمنها الأغلى المدنيون؛ حيث خلفت الحرب الأهلية الكولومبية إلى يومنا هذا من الضحايا ما تقدَّر نسبتهم بـ20% تقريبًا من المواطنين، ويُقدَّر عددهم بحوالي7 مليون ضحية، ما بين قتيلٍ، وجريحٍ، ونازحٍ، ومختفي قسريًا، ومخطوفٍ وغيرهم؛ حيث وصل عدد القتلى إلى ما يزيد عن ربع مليون قتيل، فقد أعلنت «باولا جافيريا»، مديرة هيئة تعويض الضحايا، في حوارٍ لها عام 2014 أن عدد القتلى وصل إلى 260 ألف قتيل، من ضمنهم أكثر من 180 ألف قتيل من المدنيين، بالإضافة إلى حوالي 60 ألف من المخطوفين والمختفين قسريًا، فضلًا عن أكثر من 6.9 مليون نازح منذ بدء حرب العصابات في كولومبيا منذ عام 1964. ويعتبر هذا العدد من النازحين واللاجئين المضرورين من النزاع المسلح هو الأكبر في التاريخ، بحسب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، ويليه عدد اللاجئين السوريين، ثم اللاجئين العراقيين.

مفاوضات السلام لإنهاء الحرب الأهلية

بدأت مفاوضات السلام ووقف إطلاق النار بين الأطراف المسلحة في الحرب الأهلية الكولومبية عدة مرات على مدار نصف قرن، فكانت البداية عام 1984؛ عندما وافقت حركة فارك على وقف إطلاق النار والتفاوض مع الحكومة، ولكنها لم تنجح في هذه المرة، وأعلنت الحركة توقف الهدنة ووقف إطلاق النار بعد ثلاثة أعوام في عام 1987، والذي تلته الحركة باغتيال المرشح الرئاسي حينها «لويس كارلوس جالان» عام 1989. وبالتالي وقفت المفاوضات.

وبالرغم من اعتباره الفترة من 1984 وحتى 1989 هدنة، إلا أنها اتسمت بوجود عدد من حوادث النهب والتخريب حدثت خلالها من قبل فارك والجماعات المسلحة الأخرى بجانبها؛ عندما هاجم عدد من الشركات العالمية الكبرى، مثل شركة «أي بي إم» IBM و«زيروكس» Xerox. وأتت المحاولة الثانية لعملية السلام، ووقف الحرب الأهلية، عام 1991، غير أنها لم تستمر إلا لعام واحد فقط، ثم توقفت المفاوضات مرة أخرى عام 1992.

ثم جاءت المحاولة الثالثة لنشر عملية السلام عام 1999، وذلك بإعلان الرئيس الكولومبي الأسبق «أندريه باسترانا»، وقائد حركة فارك «مانويل مارولاندا»، بداية حملة جديدة من المحادثات والمفاوضات، أعقبها عدد من المقابلات والاجتماعات في العام التالي. في تلك اللحظة كانت هناك نوايا للتحقيق السلام، عُبَّر عن ذلك بوقف تسليح عدد من المناطق في البلاد؛ وذلك تدعيمًا للمحادثات.

بعد إدراج الولايات المتحدة الأمريكية حركة فارك على قائمة المجموعات الإرهابية، قامت فارك بالرد بخطف طائرة تحمل 24 راكبًا، ومعلنة إنهاء مفاوضات السلام للمرة الثالثة في فبراير(شباط) عام 2002؛ لتستمر العمليات المسلحة بين الطرفين على مدار عقد كامل، حدث فيه العديد من العمليات التي انتهت بالانتصار لكل طرف تارة، إلى أن أعلن الرئيس الكولومبي الحالي «خوان سانتوس» في 28 أغسطس (آب) 2012 ببدء مفاوضات السلام للمرة الرابعة.

وعلى مدار أربعة أعوام من المفاوضات والمحادثات السرية والمُعلنة، اتُخذت خلالهما إجراءات تدريجية لتحقيق عملية السلام، بدايةً من وقف إطلاق النار، إلى نزع السلام، مرورًا بوقف العلاقة مع المليشيات الآخرى وتُجَّار المخدرات، إلى أن وصلنا إلى الاتفاق التاريخي الذي تم إعلانه هذا الأسبوع.

اتفاق السلام التاريخي لإنهاء الحرب الأهلية: أغسطس(آب) 2016

أعلن الرئيس الكولومبي «خوان سانتوس» نجاح المفاوضات بين حكومة بلاده وحركة فارك المسلحة بعد أربع سنوات منها؛ وذلك من أجل وقف الصراع والعمليات المسلحة في البلاد، والتي بدأت منذ ما يقرب من نصف قرن. جدير بالذكر أن المفاوضات تمت في «هافانا» بكوبا. وأعلن الطرفان أن هذا الاتفاق كامل ونهائي ولا رجوع فيه، والذي سيتم طرحه للاستفتاء الشعبي في الثاني من أكتوبر(تشرين الأول) القادم.

اتفاق السلام هو بداية لنهاية مرحلة من المعاناة، والألم، وفاجعة الحرب. – الرئيس الكولومبي خوان سانتوس.

ويتكون اتفاق السلام بين الحكومة الكولومبية والقوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك» من ستة بنود رئيسة؛ تتضمن وقف إطلاق النار ووقف التسليح، وذلك عن طريق تسليم السلاح لدى فارك إلى الأمم المتحدة، وتحت إشرافها، بالإضافة إلى بدء مرحلة جديدة من تحقيق العدالة للضحايا، فضلًا عن وقف تجارة المخدرات من قبل فارك، وتحويلها من حركة مسلحة إلى حركة سياسية تشارك في الانتخابات وفي العملية السياسية في البلاد، بالإضافة إلى المشاركة في إعادة إعمار البلاد.

وخرجت جموع من الشعب في الشوارع الكولومبية في العاصمة «بوجوتا» احتفالًا بالاتفاق، وإنهاء الصراع المسلح الذي دام لعقود طويلة، فهل يصبح هذا الاتفاق هو نهاية الحرب الأهلية الكولومبية؟ هذا بالطبع ما سيقرره الشعب وحده في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) القادم.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s