كيف أصبحت لبنان الأكثر استقرارًا في بلاد الشام؟

نشر موقع «جلوبال ريسك إنسايتس» المعنيّ بتحليل المخاطر السياسية مقالًا للكاتب «مارتن كراستراب»، وهو مؤسس مشارك ومدير البرامج بشركة «أتلس أسيستانس» Atlas Assistance التي تتخذ من بيروت مقرًا لها، والتي تقدم تقارير تحليلية، واستشارات أمنية، وتدريبات للمنظمات، ومنها عدة منظمات في الشرق الأوسط، ناقش فيه الوضع الأمني في لبنان مؤكدًا على استقراره؛ إذ إن جميع الأحزاب السياسية مستفيدة من الوضع الحالي لذلك تسعى لاستمرار هذا الوضع.

منذ بداية الأزمة السورية في 2011، توقّع العديد من الصحفيين والنقاد الخبراء والسياسيين انهيارًا لبنانيًا وشيكًا، أو حربًا أهلية دموية أخرى. ازدادت هذه التوقعات بشكل ملحوظ في أعقاب حملة احتجاجات شعبية واسعة شهدتها لبنان في عام 2015، وامتلأت الصحف بتوقعات بمستقبل كارثي في لبنان.

وذكر الكاتب أن لبنان تواجه أزمات اجتماعية واقتصادية وإنسانية، إلى جانب صراعات سياسية أحدثت شللًا في السلطتين التشريعية والتنفيذية. على الرغم من ذلك، فإن التوتر الطائفي في الوقت الحالي لا يكاد يُذكَر؛ إذا ما قورِن بما كان عليه بين عامي 1975 و1990؛ حين تسبب الصراع الطائفي في عمليات إطلاق نار، واختطاف وتفجيرات ومجازر بحق المدنيين بشكل شبه يومي.

وحدة من أجل الاستقرار

في الوقت الراهن، فإنه من مصلحة جميع الأحزاب الكبرى، بما فيها «حزب الله»، استمرار حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية. كما أن المرشحين الأبرز للانتخابات الرئاسية القادمة مسيحيان، ومن المتوقع أن يقوم كل منهما باختيار رئيس وزراء سُني، بحسب ما ذكره المقال.

ويرى الكاتب أن لبنان تعتبر بعيدة في الوقت الحالي عن أي تدخل خارجي أكثر من أي وقت مضى، فمعظم الدول التي تدخلت في شئون لبنان في السابق تعاني من اضطرابات داخلية أو لديها قضايا أهم؛ لذلك وصلت سيادة الدولة واحتكارها للعنف ما لم تصله من قبل. في الفترة ما بين سبعينات القرن العشرين حتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتخذت قوى خارجية عديدة من أرض لبنان ساحةً لتصفية حساباتها في المنطقة، سواء عن طريق وكلاء مسلحين، أو عن طريق التدخل المباشر. أما الآن، فالقوى الدولية تتحد في جهودها الدبلوماسية والعسكرية، لعزل لبنان عن الاضطرابات الإقليمية.

بالإضافة إلى ذلك، فقد توقّف «حزب الله» عن الرد على استفزازات إسرائيل؛ مما أدى إلى حالة من الهدوء على طول الحدود الجنوبية اللبنانية، وفقًا للمقال. في الوقت نفسه، وضع خصوم حزب الله من السنة أولوية الحفاظ على الاستقرار السياسي فوق خصومتهم. على الرغم من أن السياسيين اللبنانيين قلّما يتفقون، إلا أنه من بينهم من هم مستعدون لتقديم الاستقرار الوطني على النزاع الطائفي.

استقرار غير مسبوق

بعدما شهدت لبنان تدهورًا ملحوظًا في أعقاب اندلاع الصراع السوري، أخذ الوضع الأمني في لبنان خلال العامين الماضيين في العودة إلى ما كان عليه قبل عام 2011، وبالتالي فإن لبنان الآن مستقرة بشكل ملحوظ.

وقد اقتصرت الحوادث الأمنية البارزة في لبنان منذ خريف عام 2014 على مناطق جغرافية محدودة تعاني من تواجد جماعات متطرفة بالإضافة إلى وجود أمني غير كافٍ من قِبَل الجيش اللبناني. على سبيل المثال، في شهر أكتوبر(تشرين الأول) من عام 2014، شهدت مدينة طرابلس – ثاني أكبر مدن لبنان – مواجهات بين إسلاميين مسلحين والجيش اللبناني؛ أسفرت عن مقتل العشرات، وإصابة أكثر من مائة شخص. لكن منذ ذلك الحين، شهدت المدينة حالة من الهدوء التام، بعد انتشار قوات الجيش بها.

وقد انتشر الجيش اللبناني كذلك في وادي البقاع شرقي البلاد، والتي تضم جماعات تشارك في الجرائم المنظمة كالسطو والاختطاف وإنتاج المخدرات والاتجار بها، وساعدت الخطط الأمنية التي نفذها في الحد من أعمال هذه الجماعات بشكل كبير، وفقًا لما ذكره المقال.

على الرغم من ذلك، تسود العديد من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين حالة من الفوضى، خصوصًا مخيمات الجنوب مثل مخيم «عين الحلوة» ومخيم «المية مية»، اللذان يقعان بالقرب من مدينة صيدا التي تواجه اشتباكات مسلحة بين «حركة فتح» ومسلحين من جماعات إسلامية مختلفة.

واجهت لبنان تهديدًا أمنيًا آخر بالقرب من الحدود الشمالية الشرقية؛ ففي عام 2014، اجتاح مسلحون من جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية بلدة عرسال، واحتجزوا 37 رهينة. لكن بعد ذلك، استطاع الجيش اللبناني بالاشتراك مع الجناح العسكري لحزب الله في إعادة سيطرته على البلدة.

وأشار الكاتب إلى نجاح الجهد المنسق بين الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الأخرى في إحباط معظمة المحاولات لتنفيذ هجمات إرهابية كبيرة داخل البلاد، فمنذ أواخر عام 2014 شهدت لبنان هجومين كبيرين فقط: الأول وقع في شهر نوفمبر(تشرين الثاني) من عام 2015 في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، حيث تتواجد عناصر تابعة لحزب الله، والثاني وقع في شهر يونيو(حزيران) من عام 2016 في بلدة القاع في الشمال الشرقي للبلاد.

وعلى عكس ما يروج له الإعلام بأن لبنان على وشك الانهيار، يرى الكاتب أن لبنان شهدت تطورًا أمنيًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، وأن حالة الشلل السياسي كفلت التزام مشترك بالحفاظ على استقرار البلاد. وذكر الكاتب أن لبنان لن تستطيع التخلص من الانقسامات الطائفية الداخلية تمامًا أو أن تعزل نفسها عن الاضطرابات الإقليمية، لكنّ على الأقل يجب على المحللين الإقرار بأن لبنان تشهد حالة استقرار غير مسبوقة.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s