البوصلة الضائعة بين داريا وجرابلس

بعد القصير وحمص والزبداني، ها هي داريا تنضم للمناطق التي سلبها النظام بقوة التجويع والحصار، وبسبب تراجع أداء الفصائل المعارضة في درعا وعجزها عن إيقاف مسلسل “الباصات الخضر”، التي فرغت مناطق حيوية من مقاتليها بتسويات مع النظام، عكست موازين قوى الأمر الواقع.

وبينما يستعيد النظام منطقة حيوية في ريف دمشق الغربي كداريا، تحتفل بعض قوى المعارضة باستعادة بلدة في أقصى الحدود الشمالية للبلاد هي جرابلس، في عملية تركية أمريكية هدفت لتأمين ستين كيلومترا من الحدود الشمالية، يسيطر عليها تنظيم الدولة من بين مئات الكيلومترات على الشريط نفسه الخاضع للقوى الكردية المسلحة المناوئة للأتراك.

وهكذا، فإن النظام وحلفاءه  يهاجمون ويستعيدون المناطق من فصائل المعارضة، ولكن الدول الداعمة والفصائل المعارضة الموالية لها لم يهاجموا في عملية جرابلس قوات النظام، أو حتى القوات الكردية المقربة للأمريكيين على طول الشريط الحدودي التركي، ببساطة لأن الدول الغربية الداعمة للمعارضة لا ترى في قوات النظام عدوا يمثل أولوية في المواجهات، بل يرى ذلك في تنظيم الدولة، فباتت الولايات المتحدة تحرك حلفاءها في فصائل المعارضة وفق رغبتها هي، وأولوياتها هي، وتحولت بوصلة الكثير من قوى المعارضة المسلحة لتعمل وفقا للأولويات الخاصة لداعميها، بدلا من التركيز على النظام عدوها الأول والقوات الكردية التي تغزو القرى العربية شمالا.

حتى الدولة الداعمة الأكثر قربا لأهداف الثوار كتركيا، لم تستهدف عدوها المباشر في عملية جرابلس، ميليشيات الأكراد ولا قوات الأسد التي تعلن حكومة العدالة والتنمية أنها سبب الإرهاب الأول في سوريا، بل استهدفت خصما ثانويا لا يمثل أي تهديد عميق للأمن القومي التركي، كما هو الحال مع القوى الكردية الانفصالية، وإن كان الهدف من الاستحواذ على جرابلس هو منع تواصل الأكراد، فإن عملية محدودة كتلك ضمن شريط يمتد من جرابلس حتى اعزاز لا يمكن أن يجهض كيان “روج افا” الذي بات يمتد لمئات الكيلومترات من أقصى الحدود السورية التركية شرقا حتى عفرين غربا، ويتلقى دعما من حلفاء تركيا في عمليتهم ضد تنظيم الدولة، الولايات المتحدة.

وهكذا، فإن للأمريكيين أولوياتهم في سوريا وهي قتال تنظيم الدولة، وللنظام السوري والإيراني أولوياتهم وهي تتقاطع وتتفق مع الأمريكيين بخصوص تنظيم الدولة في الرقة وغيرها من المناطق، وكل الأطراف الفاعلة تعمل وفق أولوياتها، ما عدا قوى المعارضة المسلحة، التي باتت مرتهنة لأولويات الجميع، عدا أولوياتها هي، فتجد جزءا من قوى المعارضة في فصائل ريف حلب قد انضم ليقاتل في قوات سوريا الديمقراطية، التي يهيمن عليها الأكراد وتقود المشروع الكردي شمالا بدعم أمريكي! وتجد جزءا من قوات المعارضة تقاتل بدعم تركي أمريكي تنظيم الدولة، وجزءا آخر، خاصة الجهاديين، يقاتلون قوات النظام تحديدا ويتجنبون تنظيم الدولة في الآونة الأخيرة، وهم من قاد التقدم المحدود في جنوب حلب، وهو تقدم هش ما لبث أن تزعزع ليسيطر النظام ناريا على الراموسة، بينما توجهت الفصائل التي قاتلت في حلب مع النصرة نحو جبهة جرابلس لتقاتل في جرابلس عدوا مشتركا مع النظام! انبثقت عنه النصرة قبل سنوات التي يقاتلون إلى جانبها اليوم في حلب.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s