الطريق إلى تير آبل

في ظلمة موحشة ربّما لا يحسُّ بها إلاّ الغرباء، كان الباص يتهادى على طرقات ضيقة مخططة بإتقان. صحوتُ من غفوتي على صوت سائق الحافلة يعلن وصولنا إلى تيرآبل (Ter Apel)، وهي قريةٌ صغيرة في أقصى الشمال الهولندي، انتهت فيها رحلة طويلة استمرت أياماً بلياليها، وبدأت رحلة جديدة في الوقت نفسه.

لم أكنْ أتصوّر يوماً أن قدمي ستطأ هذا المكان، منذ أن بلغت الثامنة عشرة ونفسي تحدّثني بالهجرة، لكنني لم أتخيّل أن أهاجر بالطريقة التي سبقني فيها كثيرٌ من السوريّين، وما زال كثيرون بعدي ينوون القيام بها. لقد حالفني الحظ، ولم يكن البحر الذي ابتلع كثيرين من أبناء جلدتي قاسياً عليّ.

في ليلٍ باردٍ من ليالي كانون الأول، برفقة ثلاثة أفغان، وصلتُ إلى ما يمكن وصفه بـ «وزارة المهاجرين» في المملكة الهولندية. كان في استقبالنا شابٌ وفتاة في مقتبل العمر، أوصلونا إلى الموظفين المسؤولين عن تسجيل اللاجئين الجُدد، ابتساماتٌ مصطنعة وجدت طريقها إلى وجوهنا المُتعبة، وتفحَّصٌ لأوراقنا وتسجيلٌ لها.

سلَّمتُ حقيبتي الوحيدة التي كانت كلَّ ما أملك وقتها، أغطية ٌبيضاء ومهجع فيه أسِرَّة فوق بعضها. هذا المكان يعرفه كل لاجئ ساقه قدره إلى هولندا، هنا تُنهي الجزء الأصعب من رحلتك، وتبدأ الجزء الآخر، الصعب أيضاً.

الخروج من البلاد

منذ سيطرت داعش على الرقة وتل أبيض، أصبحتُ محاصراً تقريباً في محيط بندرخان، قريتي الصغيرة الواقعة بريف تل أبيض الغربي، التي كانت تسيطر عليها وقتذاك وحدات حماية الشعب، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي. بعد هجرة العديد من الأصدقاء إلى تركيا هرباً من داعش، ومقتل وتغييب بعضهم الآخر، صرت أخشى الذهاب إلى الرقة وتل أبيض.

عُرضَ عليَّ عملٌ مؤقتٌ في عنتاب، التي باتت مكاناً لتجمع الهاربين والمنفيين السورييّن في تركيا، كان من المفترض أن أمكث فيها شهرين، لكنّ العمل طال لسبعة أشهر، وقبل أن أنهي هذه الشهور السبع، كانت داعش تزحف نحو كوباني/عين العرب. قبلَ أن تصلَ قريتنا قامت وحدات الحماية الشعبية الكردية بتهجير أهلي بحجة أنّ هذه المنطقة باتت منطقة عسكرية مغلقة، عندها أصبحتُ مثلَ أقراني الرقاوييّن خاصةً والسورييّن عموماً، ممنوعاً من العودة ومضطراً للبقاء في المنفى الأول، تركيا.

تركيا، الجارة التي لم تكن غريبةً عليّ بحكم القرب الجغرافي والعلاقات والروابط العائلية المتناثرة على جانبي الحدود، وأميّ التي تجيد التركية (لكنها لم تعلّمنا إياها) وكثير من الأقارب والمعارف، الذين كان من المفترض أن يخففوا هذه الغربة المُستجِدة.

في سنوات الثورة الأخيرة زرت تركيا ثلاث مراتٍ، بطرق شرعيّة أو بالتحايل على حرس المعابر، لكنّ الدخول الأخير كان شاقاً. يومٌ كاملٌ من الانتظار على الحدود ومطاردات الجيش على الشريط الحدودي وسماع أصوات الاشتباكات بين الجيش الحر وداعش في بلدة الراعي الحدودية التي دخلت لاحقاً في أراضي «الخليفة»، لينتهي نهار الرابع من شباط/فبراير 2014 وقد وصلتُ عنتاب التركية. كان صديقي الذي لا أعرفه سوى على صفحات فيسبوك ينتظرني قرب مبنى أحد محطات التلفزة المحليّة، لنبدأ مشواراً من العمل والسكن سويّاً استمر أكثر من سنة.

عنتاب التي احتضنت قرابة 500 ألف سوري يعيشون في مجتمعين وعالمين منفصلين، مجتمع الناس البُسطاء الذين يتدبرون ظروف حياتهم وأمورهم بشق الأنفس، ومجتمع آخر يُطلق عليه مجتمع الناشطين أو موظفي المنظمات العاملة في الشأن السوري، والذي تُحاك حوله كثيرٌ من القصص الصحيحة والكاذبة. لربّما كنتُ أنتمي للمجتمع الثاني، ولكنّ بمجرد نزولي إلى شارع «الجارشي» واحتكاكي مع بقية السوريين هناك (المطاعم السورية الشعبية – الأغراض المنزلية الرخيصة – المنتجات السورية التي لا تجدها إلاّ هناك) كانت تلك الفوارق تذوب، ويصبح الحديث سوريّاً بحتاً عن مصيرنا، نحن السوريون الذين كنا نأمل بالعودة.

انتهت سنة المنفى العنتابي بمزيجٍ من الإحباط وبعض الأمل، وجعلتني ظروف العمل أنتقلُ إلى اسطنبول التي زرتها عدة مرات. كنتُ متحمساً للانتقال والعيش في تلك المدينة الساحرة والمخيفة في آن معاً، وفي الوقت نفسه لم يكن سهلاً الانتقال من المدينة التي تعرفتُ فيها على مجتمع جديد ورفقاء كُثر، وأصبحتُ أشعرُ بالحنين لحاراتها وأماكنها.

في اسطنبول الكبيرة تغرقُ في العمل وتفاصيله، وتشعرُ بالصغر أمام هذه المدينة-القارة. ومع عدم امتلاكي للأوراق النظامية كنتُ نكرة ًفي هذا العالم الواسع، كان عقد إيجار بيتي وفواتير المياه والكهرباء والانترنت باسم صديقي التركي ـــ السوري. لا قيمةَ للسوري في دوائر الحكومة التركية دون الدفتر الأزرق النظامي أو الإقامة التركية الحمراء، لكن ما كان يعزيني فيها الأصدقاءُ وجمالُ المدينة مترامية الأطراف.

الهوس باكتشاف المدينة عجّلَ مرور الأيام الجميلة والسيئة فيها، وكلّما مرت الأيام ازدادت الأفكار المتضاربة حول الرحيل مثل أصدقائي الذين سبقوني، أو الاستمرار والبدء بالسنة الثالثة التركية. بقيتُ سنتين في تركيا، وبعد أن استقرت عائلتي فيها أيضاً، صرتُ أفكّر مثل غيري بالرحيل إلى المنفى الآخر، أوروبا.

تواصلَ الجدال مع الذات وسط تحذيرات الأصدقاء ومعارضة أمي الشديدة لركوب البحر، لكن مع نهاية السنة الثانية من المنفى التركي، قرَّرتُ مغادرة تركيا رغم كلِّ الأيام الجميلة التي قضيتها فيها، والأصدقاء الذين يعزّ على المرء مفارقتهم، والأهل الذين تركتهم لقدرهم هناك.

بداية الرحلة – اسطنبول 18/12/2015

من المدينة التي أحببت، وأزعمُ أنّ كل من زارها سيُحبّها لا محالة، ابتدأتُ الرحلة. وضبتُ حقيبة كبيرة جمعت فيها ما تيسر من لباس وكتب، وحقيبة صغيرة محمولة على الكتف وضعتُ فيها الحاسب المتهالك. وللمصادفة الغريبة طلبت مني صديقة أن أكتب مادة عن الهجرة، فأرسلتُ لها عبر الماسنجر أنني أنا أيضاً سأهاجر، وأن قلةً من الناس يعرفون بهذا القرار، سأكتبُ عن الهجرة وأنا أخطط لها إذاً.

أنجزت آخر أعمالي في المكتب الذي كنت أعمل فيه، تناولت آخر غداء مع زملائي وأصدقائي. أعزُّ الأصدقاء في هذه المدينة الكبيرة رأيته تحت الأرض في محطة مترو «ليفينت»، عانقته وأردت أن أبكي، قال لي: «دير بالك عحالك». في الخارج عاجلني مطر اسطنبول اللئيم أحياناً، اقترحَ صديقٌ آخر أن أذهب بتكسي إلى المطار، مع أنني كنت أفضّل استخدام المترو تحاشياً لزحمة اسطنبول الخانقة. تركتُ بيتي في عهدة صديقي، وألقيت نظرة أخيرة على حيّ أورتاكوي، حيث كنت أسكن، كانت آخر مرة سأرى فيها جسر البوسفور الشهير الذي جاورته لشهورٍ تسع. هكذا مدن المنافي أيضاً تصيبنا بلعنتها، وتجعلنا نحن الغرباء نحس بالانتماء والحنين لها.

في الطريق إلى المطار تعطلت السيّارة على الطريق السريع، وكانت هذه إشارة سيئة على ما يبدو. تمتمَ صاحب التاكسي بالتركية التي أفهمُ منها قليلاً لاعناً حظي السيء، بدلتُ التاكسي بأخرى ورجوت سائقها أن يزيد سرعته كي لا تفوتني الطائرة التي سأستقلها من اسطنبول إلى أورفة كي أودع أهلي قبل أن أركب البحر، الذي إما أن يكون فرصةً لحياة أخرى، أو طريقاً إلى مصائر سيئة.

أورفة 20/12/2015

عندما أخبرني صديقي عن موعد الرحلة المفترض، ساورني القلق وشعرت بالحسرة والخوف، السُوَيعات الأخيرة التي قضيتها مع أهلي كانت لا تُطاق. أبي الذي خرج من البيت يلاحقني بنظراته، تبعني حتى ركبت الباص الذي سيوصلني إلى الكراج، لوَّحتُ له من بعيد لكنّه لم يرَ وجهي ويداي المرفوعتين. كان الانطلاق من أورفة باتجاه أزمير في الساعة السابعة والنصف مساءً. أوصلتني أمي وأخي إلى الكراج، وانطلقَ الباص ولم تكفكفْ أمي دموعها التي كانت تمسحها بأطراف الحجاب الذي يغطي رأسها وهي تفقد أول الأبناء الذي سيطرق أبواب القارة العجوز.

غازي عنتاب – العاشرة والربع ليلاً

أول المدن التي احتضنت غربتي، خرجتُ منها قبل عشرة أشهر قاصداً اسطنبول، وها أنا اليوم أعود إليها مارّاً فيها مرور الكرام. فيها عرفتُ كثيراً من السورييّن وعشتُ كثيراً من التحوّلات التي أصابت حياتنا. فيها وضعنا أمالاً كبيرة، حلمنا بتطوير حياتنا وكنا نظن أننا عائدون إلى سورية قريباً بعد أن يرحل الأسد عنها وتلحقه داعش. كُنا قريبين من أجواء المعارضة والسياسيين الذين يقطنوها، في عنتاب عشتُ نجاحات شخصية على مستوى العمل واكتساب معارف جديدة، وخبرتُ فيها الانكسارات وتحطم الأحلام كما باقي السورييّن. كان شريط الذكريات هذا يمرُّ ثقيلاً في رأسي وأنا أصل كراج الباصات فيها، لتصبح مجرد نقطة عابرة في هذه الرحلة الطويلة.

أوسمانية

مدينة صغيرة تُصادفكَ في هذا الترحال الطويل، وهي إحدى محطات الطريق بين أورفة وأزمير. اللفظ الصوتي لأحرفها يعبّر عن التداخل بين اللغتين التركية والعربية، لوهلة تلفظها عثمانية فتُذكرّك بالإمبراطورية التي حكمت عالمنا العربي لسنوات طِوال. لم أعرف عنها الكثير، سمعتُ من بعض الأقارب والأصدقاء أنّها كانت محطة لبعض السورييّن الباحثين عن قوتهم وأرزاقهم، يعملون بالمياومة في أراضيها ويحصلون على جزءٍ يسيرٍ من حقهم كما اقتضت العادة في عموم تركيا.

أضنة 21/12/2015 – الساعة الواحدة بعد منتصف الليل

هذه المدينة كانت ممراً دائماً لكل رحلاتي السابقة بين عنتاب واسطنبول، مدينةٌ تستقبلُكَ بكلِّ غرور وصلف، بناياتها العالية تُحَدّجُك من بعيد، ولا روح في مداخلها ومخارجها. عرفتها أثناء سفري المتكرّر براً كوني لم أمتلك جواز سفر يخولني ركوب الطائرة. يُقال إنّ بنات هذه المدينة على قدر عالٍ من الجمال، ومنهنَّ عارضات أزياء ومطربات شهيرات في تركيا.

قونية – الساعة الخامسة فجراً

كان النعاس يُغالبني، ضبابٌ كثيفٌ يلفُّ أرجاء المكان، وسكينةٌ غريبة تطغى على هذه المدينة التي بلغت أوج مجدها أثناء حكم السلاجقة عندما كانت عاصمة لهم قبل أن يجتاحها المغول، وبالطبع يخطر في بالك العالم والشاعر الشهير جلال الدين الرومي، الذي يرقد في هذه المدينة.

إزمير – الساعة الواحدة وخمسة وعشرون دقيقة ظهراً

وجهة السورييّن الأخيرة في هذا التيه الأول، تركيا. هنا تُعقد الصفقات ويصبح البشر أرقاماً لكلَّ منهم سعره!! والناجي والسعيد من عبر إلى الضفة الأخرى سليماً معافى. في رأسي كثيرٌ من الهواجس والأفكار المتضاربة، ومشاعر مختلطة، هنا قد تكون آخر سُويعاتي في المنفى الأول.

الساعة السابعة مساءً 

ركبتُ الحافلة التي ستقودنا إلى ما يُسمَّونها ب «النقطة»، وهي المكان الذي سينطلق منه القارب نحو الوجهة المأمولِ الوصول إليها، اليونان. ركبتُ من الأمام على عكس كلّ المحشورين في صندوق السيّارة الخلفي، بدأت علائم الحظ السيء بالظهور تباعاً، لم تعدْ السيّارة تمشي بشكل جيد، واضطرَّ السائق لتخفيض سرعتها رويداً وريداً. كان يبدو إنّها ستتوقف في أي لحظة، وبدأ الكابوس الذي استشعرت حدوثه، توقفت السيّارة على الأوتوستراد المظلم وبدأت الأبخرة بالانطلاق من محركها، هنا بدأت هواجسي حول قدوم الجندرما التركيّة.

ما كان يؤرّقني حصل بالفعل، على حين غِرّة جاء عناصر الجندرما الأتراك وبدأوا التحقيق مع سائق السيّارة. حاولوا تشغيل السيارة بلا جدوى، كانوا يضحكون ويتبسمون لسببٍ ما أجهله (ربّما على مآسينا). سألوني إن كنت أتقن التركية فأجبتُ بالنفي، وقال أحدهم: هل تتقن الإنكليزية؟؟ أجبتُ بنعم، فرّد عليَّ بأنّه لا يتكلمها.

«الأتراكُ لا يتقنون الإنكليزية»، هنا تبادرت إلى ذهني صديقتنا الأكاديمية التركية شناي أوزدن، التي عاشت فترة من الزمن في سورية وتتقن العربية. دوماً كانت تلوم السورييّن على عدم تعلّم التركية، وعندما نبادرها مازحين: لماذا لا يتكلم الأتراك الإنكليزية؟؟ كانت تجيب مازحةً أيضاً: الحق على الأتراك الذين لا يتقنون الإنكليزية مثل السورييّن.

كنتُ في المقعد الأمامي للسيارة مع السائق التركي وأحد أعوان المهرب (كرديٌ من القامشلي). صوّرَ رئيس الدورية لوحة السيّارة وتركونا فجأةً!! وعندما تيقَّنا من تركهم لنا، أعادَ الشاب الاتصال بالسيّارة الأخرى التي أوصلت المجموعة الثانية إلى الشاطئ قبلنا. وصلت السيّارة الأخرى، وهذه المرّة انحشرتُ مع البقية في الصندوق الخلفي، اكتشفتُ أنني السوريّ الوحيد بين عشرين شخصاً كلهم عراقيون إيزيديون.

بالرغم من الاكتظاظ الشديد، كان بعضهم يتراقصُ على أنغام أغنية كردية تنبعثُ من مسجّل السيّارة. كنا ذاهبين إلى رحلة يحيط بها الموت من كل الجوانب!! لكنّهم لم يكونوا مكترثين، بل غنّوا ورقصوا كما لو أنهم كان يريدون قضاء اللحظات التي ربما تكون آخر لحظات حياتهم بفرح.

ركوب قوارب الموت – أزمير (جشمه) 2015/12/21

الساعة الحادية عشرة إلاّ بضع دقائق ليلاً. بدأ المهرّب التركي بحشر الناس كالأغنام. دفعنا إلى القارب الخشبي المتهالك الذي وُعدنا بأنّه سيكون يختاً، كنت قد اتفقتُ مع المهرّب أن يجهّز عدة السفر (سترة النجاة وبعض الأغراض الأخرى)، وكان الاتفاق أنّ القارب كبير والعدد لا يتجاوز الثلاثين راكباً!

للأسف خُدعت ولم أحصل على أي شيء مما ذكر، وأخلف بوعده كما يفعل تجار البشر عادةً. انطلقَ القارب بحمولة زائدة من البشر، وبدأ الكل بترتيل الآيات والأدعية، بينما كانت النساء اللواتي انحشرنَ في أول المركب يدعين إلهُهنَّ «يا ملك طاووس». الأمر الذي هدَّأ من روعي أنّ البحرَ كان ساكناً وكأنّه قطعة جامدة، أو كما يُقال بالعامية «بلاطة». بدأ القارب يمشي بخطى وئيدة وكأنّها نزهة بحرية وليست مغامرة مميتة، بدأنا نتقدّم صوب وجهتنا لكنّ أضواءً كانت تنعكسُ علينا من الجهة اليمنى. خرج الشاب الذي كان يقود المركب ليعاين الأضواء، فتيّقن أنهم خفر السواحل التركي ومن الممكن أن يقبضوا علينا في أي لحظة. حادَ المركب عن وجهته إلى اليسار، وناورَ لنتمكن في النهاية من دخول المياه الإقليمية اليونانية، تابعنا السير تجاه الأضواء التي باتت تقترب رويداً رويداً، أحلامنا بالوصول إلى اليابسة صارت قاب قوسين أو أدنى.

الوصول إلى اليابسة – اليونان. جزيرة كيوس الساعة 12.33 صباح يوم 22/12/2015

ارتطمَ القارب بصخرةٍ حالت دون وصولنا إلى الشاطئ، ابتدأ الفزع بين الركاب واكتشفتُ أنّ المركب محشور بالنساء والأطفال الذين كانوا في الطابق السفلي من القارب. قُرابَة الخمسين شخصاً كانوا على متنه، خلعَ سائق المركب سترته وحاول أن يبدو مثلنا. بسبب الكلمات الإنكليزية القليلة التي أعرفها تواصلتُ مع الصليب الأحمر وخفر السواحل لإنزالنا من القارب، لكنّهم لم يستجيبوا بحجة أنّنا في وضع مأمون ولا خوف علينا، إلى أن جاء متطوعون من أهل الجزيرة لإنقاذنا طمعاً في القارب الذي أخذوه لاحقاً، بينما كان غواصان (لاحقاً عرفت إنهم من اسبانيا) يحيطان بالمركب للتأكد من عدم ميلانه أو تزحزحهِ من على الصخرة التي رسى فوقها.

بدأت عملية الإنزال لنحط على ظهر الجزيرة في الرابعة والنصف صباحاً، وانتهت وقتها أسوأ كوابيسنا. وصلنا المخيم «الكامب» التابع للأمم المتحدة (UNHCR) في السادسة والنصف صباحاً، وانتظمنا في دور طويل كي نسجّل أنفسنا. على عجل تمدُّ يدكَ للموظف المسؤول كي يضع شريطاً ملوناً حول مِعصمك، وينبّهُكَ بأنّه أهم ما تملك الآن، فلا تفقده كي تحصل على «الخارطية» التي تخوّلك مغادرة الجزيرة باتجاه أثينا.

ظهرَ ذلك اليوم ذهبنا إلى مركز تسجيل اللاجئين للحصول على الخارطة الإقليميّة «الخارطية»، وهي الورقة التي تسمح لك بالتواجد على أراضي اليونان لمدة ستة أشهر، وأيضاً تتيح لك مغادرة أراضي اليونان تجاه مقدونيا وباقي محطات الرحلة. كان اللون الطاغي هو الزهري، وعندما يُلفُّ هذا اللون على معصمك، ستعرفُ أنّ دورك قد حان، لكنّ البرتقالي الذي يلاحقني أنّى ذهبت أخَّرنا ليومين!!

في يوم الأربعاء 23/12/2015، وفي الساعة الحادية عشرة ليلاً، انطلقتُ في رحلةٍ بحريّة أخرى لكنها كانت على متن باخرةٍ ضخمة لا يُخشى فيها الغرق، هنا تهادنُ البحر وتنظر إلى الأضواء التركية في الطرف الأخر وكأنك تسخرُ منها وتتحداها قائلاً: نعم لقد وصلنا إلى الضفة الأخرى، نعم لم ينلْ بحر إيجة منّا.

أثينا – الساعة السادسة والربع صباحاً من يوم الخميس 24/12/2015

تحاول أن تشُقَّ طريقك وسط الجموع المتهافتة، عندما تصلُ إلى المدخل المخصص للنزول، يزجرك الموظفون لأنّ هذا الباب مخصصٌ للركاب اليونانيين (تجليّات العنصرية ضد آدمية وإنسانيّة اللاجئ تظهرُ باكراً)، لكنّ هذه العنصرية اقتصرت على طاقم السفينة ولم ألحظها عند الناس العاديين، فقد كانوا طيبين كُرماء بالرغم ممّا حل بهم من عوزٍ وفَاقة.

كُنّا نملك حجزاً مزدوجاً، البطاقة الأولى للباخرة من جزيرة كيوس إلى أثينا، والثانية من أثينا إلى حدود اليونان. عند نزولك من الباخرة يكون بانتظارك موفدو الشركات وتتعالى الأصوات التي تدعو النازلين للصعود إلى باصاتهم، أغلب المنادين مصريون، ويبدو أنّ المقبولين لمتابعة المرحلة الثانية من الرحلة هم السوريّون والعراقيون والأفغان، أمّا المهاجرون من باقي الجنسيات، فتضمحلُّ فرص متابعتهم إلى جنة أوروبا الموعودة.

المشي والاصطفاف وراء مندوب الشركة من المرفأ حتى كراج الباصات ضمن أرتال منتظمة، يشبه تمريناً على ما ينتظركَ من مسافات طويلة سوف تقطعها في طريقك الطويل. تأخّرت الرحلة عن موعدها المُفترض ولم ينطلق الباص إلاّ بعد التاسعة والنصف صباحاً. اختلستُ النظر إلى أثينا المتعبة التي بانت عليها علامات الفقر، وبدت الهموم جليّة على مُحَيّا أهلها وشوارعها، طرقاتها المهملة التي مررنا بها، والبنايات القديمة التي لم تُرمم، حافلات النقل الداخلي القديمة التي تمشي في شوارعها، كلُّ شيء في هذه المدينة يوحي لك بأنّها مثقلة بالديون والمتاعب.

استراحتان على الطريق ومناظر خلابة تخففُ وطأة التعب والانتظار، وصلنا إلى نقطة توقفت عندها كلُّ الباصات في السادسة والنصف مساءً؛ الآلاف من مُعدمي الأوطان تجمهروا في ساحة تابعة لهذه الاستراحة، والكلُّ بدأ بالبحث عمّا يسدُّ به رمقه ويبقي هاتفه الخلوي على قيد الحياة والعمل.

لم أكن أعرف أنّنا في قرية إيدوميني على الحدود اليونانية – المقدونية، وإيدوميني  قرية حدودية صغيرة ربّما لم يحفل بها أحدٌ قبل تجمهر اللاجئين فيها. بيوت متناثرة وسيارات شرطة تجوب المنطقة، وبعض سيارات المنظمات الإنسانية التي تقدّم وجبات خفيفة تسد رمق بعض اللاجئين ولا تغنيهم عن ابتياع حاجياتهم من الاستراحة الوحيدة في المنطقة. لاحقاً أصبحت إيدوميني محط أنظار العالم عندما أُغلقت في وجه اللاجئين بعد اتفاق دول البلقان والنمسا على إغلاق الطريق، كي يتم وقف هذا الطوفان البشري الذي يعبر أراضيها تجاه ألمانيا وغيرها من الوجهات الأخيرة للاجئين.

الحدود اليونانية المقدونية – الجمعة 25/12/2015

الثامنة صباحاً، لا زلنا بانتظار أن ندخل مقدونيا، أربعة عشرة ساعة مرّت ولم يُسمح لنا بالعبور، ومن الجيد أننا استطعنا النوم في الباص بعد جدال مع السائق اليوناني المخمور. في تمام العاشرة صباحاً سُمحَ لنا بمواصلة الرحلة ودخلنا مقدونيا منتصف الظهيرة، على سكة القطار الفاصلة بين الدولتين أُذِن للسورييّن والأفغان والعراقيين بالدخول، ولم يسمح للباقين بالدخول رغم المحاولات الحثيثة منهم. لم تكن الإجراءات صعبة، وأخذنا الخارطية الثانية بعد ساعتين من الانتظار بينما كان بابا نويل يلاعب أطفالاً صغاراً ومذيعةٌ من التلفزيون المقدوني تسجّل لقاءاً متلفزاً مع اللاجئين. تحدَّثتُ معها مخبراً إياها أن هذا الطوفان البشري لن ينتهي إلا بالقضاء على بشار الأسد ونظامه، في الثانية ظهراً صعدنا أول قطار لجوء وحالفنا الحظ بالحصول على مقصورة مستقلة نريح فيها أجسادنا المنهكة.

صربيا

حتى تصلَ صربيا يتوجب عليكَ أن تمشي قرابة الكيلومترين، وصلنا للكامب الصربي المؤقت بحدود الثامنة مساءً، أقْلتَنا سيارات مجانيّة لكي نصل إلى الكامب الرئيسي، وكان على الشبان أن يكملوا هذه المسافة مشياً وهي تماثل المسافة الأولى لأنّ السيارات مخصصة للعائلات، ومن حسن الحظ أنّي كنت برفقة عائلة سورية صغيرة. كل الأحاديث التي سمعناها عن المعاملة الصربية السيئة كانت وهماً لا صحة له.

من صربيا إلى كرواتيا

في الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً أخذنا الخارطية الثالثة والأخيرة، كنا ننتظر الباص الذي سيوصلنا إلى الحدود الصربية – الكرواتية. كدنا نقعُ في شرك عصابة تستخدم ميكروباصات تمشي بشكل أسرع لتقوم لاحقاً بالسطو على نقود اللاجئين، كنا على وشك أن نركب معهم توفيراً لساعات الانتظار الطويلة، لكنّ أحد رفاق الرحلة لحق بنا وأرجعنا إلى الباص الذي أخبرنا أفراد الشرطة بأنّه الوسيلة الوحيدة الآمنة في هذه المنطقة.

ساعات الانتظار في آخر موقع صربي كانت رتيبة ومملة، والثلج يكسو الأرض في الخارج وبعض الصبية الصغار يلعبون به. عاودنا المسير في التاسعة والنصف صباحاً يوم السبت 26/12/2015 لنصل إلى القطار المجاني الذي سيقوم بنقلنا إلى كرواتيا. من حيث الهيئة والشكل كان هذا القطار أفضل من سابقه، جلسنا على الأرض في مقصورة جُلّها نساء حلبيات برفقة أطفالهنَّ الصغار، كُنّا بانتظار أن يتحرك القطار قبل أن نصبح (كالمخلل) ويأخذنا التعب. سائق القطار ضل طريقه وتجاوز الكامب المقصود، وعاد إليه بعد أن اكتشف أنه يسير في طريق خاطئ.

بدأت الظروف تتحسن كلّما تقدّم المسير بنا، لم تطل الإجراءات في كرواتيا التي وصلناها قُرابة الواحدة ظهراً، ومنها ركبنا قطاراً آخر في الساعة الثالثة والثلث من عصر ذلك اليوم.

سلوفينيا

الساعة الثامنة والنصف مساءً، وصل القطار إلى الكامب المخصص للاجئين في سلوفينيا، لم يكن هذا الكامب كغيره في الدول التي مررنا بها من قبل، ازدحامٌ وفوضى تعمُّ أرجاء المكان، ولا أعرف إنْ كان هذا مقصوداً. هناك كُنّا بانتظار تسجيلنا لدى السلطات لنكمل طريقنا إلى النمسا حيث تصبح الأمور أفضل وأكثر سهولةً.

الخامسة والنصف صباحاً من صباح يوم الأحد 27/12/2015 بعد ليلة شديدة البرودة، تعاملت فيها السلطات السلوفينية بمنتهى القسوة وبلا إنسانية، وتعمّد رجال «الكومندوس» اختلاق البلبلة في الدور الذي اصطفَّ فيه اللاجئون، ناهيك عن التفتيش بطريقة حقيرة ومُذِلّة، وعدم تجهيز أماكن كافية للناس كي يبقوا فيها، حيث اضطر كثيرون للبقاء في العراء في درجات حرارة متدنية جداً.

النمسا

دخلنا الحدود النمساوية صباح يوم الأحد 27/12/2015، كانت سيّارات الجيش النمساوي بانتظارنا، والعناصر المنتشرة على الحدود تُمنحكَ شعوراً بأنّ أوروبا ذات الأبواب المفتوحة جاهزةٌ لإغلاق حدودها في أي لحظة.

ركبنا الباص الذي سيتوجه بنا إلى الحدود النمساوية-الألمانية، ساعدتُ سائق الباص في ترجمة بعض المفردات للركاب وجلستُ بجواره، للصدفة كان يعمل في قوات الفصل الدولية في سورية ويعرف الكثير عنها. دخلنا سالزبورغ (مدينة موزارت) في الواحدة ظهراً، وأكملنا طريقنا حتى وصلنا الكامب النمساوي الواقع مباشرةً على حدود ألمانيا. بقينا بضع ساعات فيه قبل أن يتم تسلمينا للشرطة الألمانية. على الجدران القماشية للكامب خَطّ بعض اللاجئين في ساعات انتظارهم هنا بعض الذكريات وقاموا بتأريخها، واختلفت هذه الذكريات بين أسماء أشخاص وبلداتٍ وشعارات تمجد الثورة والعودة إلى سورية يوماً ما، والبعض الأخر كتب أسماء مأكولات سوريّة «المكدوس مثلاً» كدليلٍ على الاشتياق والحسرة رُبَّما.

ألمانيا – «أرض الميعاد»

وطأت أقدامنا الأرض الألمانية بحدود الساعة الخامسة مساءً، واعتبرَ أغلب اللاجئين أنّ حلمهم صار ماثلاً أمامهم وأنهم وصلوا مبتغاهم، بينما كان البعض الآخر، وأنا منهم، يريدون مواصلة الرحلة إلى وجهاتٍ مختلفة.

هنا لم أستطع طمأنة الأهل والأصدقاء، فالخطوط التي اشتريناها على الطريق كلّها توقفت، ولم نستطع شحن هواتفنا المحمولة منذ أيام. وصلنا مركز البوليس، وصعد عناصره إلى الحافلة، ورحَّبوا بالقادمين الجدد، قالوا بضع كلمات مقتضبة بالإنكليزية قمت بتلخيصها لمن معنا، فُتِشَت حقائبنا وأخذوا بصمات قيل إنّها جنائية ولمعرفة الإرهابييّن المحتملين بيننا. كانت تداعيات هجمات باريس الأخيرة واضحة، وكان أفراد البوليس الألماني يستخدمون كلمة «يلا يلا» لكي يتحرك الناس ويمضوا قدماً. كلُّ أفراد الشرطة والجيش بدءً من مقدونيا وحتى ألمانيا يستخدموها، والبعض يستخدم اللفظ التركي «هَدي هَدي».

تمّ إرجاعنا إلى الحافلة، التي كانت جديدة بطريقة مُستفزِّة، حتى الأكياس لا تزال على مقاعدها. مرةً أخرى وصلنا إلى قاعدة عسكرية حسبما خمّنتُ، تولى الجنود الألمان تسجيل بيانات الوافدين الجُدد، تجادلنا أنا والضابط قليلاً وأخبرته أنني أنوي المتابعة إلى هولندا، فأخبرني بجواز ذلك بعد أن أخذ بصمات، هو الآخر قال إنّها روتينية ولا خوف منها!! بينما قام الصليب الأحمر بتأمين مكان للنوم والأكل.

صباح اليوم التالي خرجت من القاعدة -أو الكامب لست أدري- واشتريتُ خط هاتف ألماني أعاد وصل هاتفي بالإنترنت بعد انقطاع لأيام عدة. كانت وجهتي كولن الألمانية، لأنّ أحد الأصدقاء سينتظرني هناك كي نُجزِّأَ الرحلة ونتدارس أفضل السبل لمتابعة طريقي.

ساعاتٌ طوال قضيتها في القطار السريع الذي بدلته أكثر من مرة، ساورني خلالها قلقٌ من البصمات التي أخذوها بالأمس. ولجتُ مجدداً إلى الفيسبوك الأزرق، وليتني لم أفتحهُ يومها. كان خبر استشهاد ناجي الجرف يملأُ الصفحات السوريّة وصوره تملأ بروفايلات الأصدقاء. استطاعت داعش قتُل «الخال» ناجي الجرف في عنتاب، منفاي الأول.

يا لها من صدمة. كنتُ غريباً في أرض غريبة أبكي شهيداً في أرض بعيدة، هذه حالنا نحنُ السوريون.

وصلتُ كولن أخيراً في الخامسة مساءً يوم 28/12/2015، لمحتُ صديقي الذي كان ينتظرني من بعيد على أحد أرصفة القطار، ركضت باتجاهه، عانقته، بكيتُ كثيراً. لا أعرف إنْ كنت أبكي ناجي صديقنا المشترك، أم كنت أبكي على حالي أو حالنا جميعاً؟؟

هولندا

أول مكان وطِأت فيه قدمي التراب الهولندي، كان مدينة أوتريخت في الساعة التاسعة والنصف من يوم الإثنين 28/12/2015. تابعتُ برفقة صديقي إلى بيت صديق سوري قديم يقيم في هولندا منذ عقود، نمنا عنده وتحدثنا كثيراً عمّا جرى خلال السنوات الخمسة الماضية، وخلال أيامي السبعة التي قضيتها على طريق التغريبة السورية المُستجِد.

في اليوم التالي سلّمتُ نفسي لمركز الشرطة في مدينة زوترمير، حيث تمَّ إرسالي وإرشادي إلى تير آبل المكان الذي سيراه كلّ لاجئ في هولندا. في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر/ كانون الأول للعام 2015 وصلتُ هناك، وسيصل كُثْرٌ مثلي إنْ لم تنتهِ هذه المأساة السوريّة.

اليوم وأنا أكتبُ هذه الكلمات، أتذكّرُ كلَّ ما حدث وكلّ وجه رأيته، أسمع وأرى معاناة العالقين على الحدود التي عبرتها. اليوم تخاف أوروبا سيول المهاجرين أكثر من أيّ شيء في هذا الكوكب. تصدر القوانين التي تضيّقُ على اللاجئين أكثر فأكثر من حيث مدة الحصول على الإقامة، وتُسحب كلّ المزايا الأخرى. لم يتغيّر شيء بعد سبعة أشهر من وصولي إلى هولندا وتنقلي فيها بين مناطق مختلفة، لا زلت بانتظار الحصول على الإقامة، «الأوراق الرسميّة» التي خاطرت بحياتي للحصول عليها، ولا زال الانتظار اللعين ذاته هو الرفيق الذي يصاحب السوريين في حلهم وترحالهم.

الانتظار شيطانٌ أخرق؛ ينتظرُ السوريّون خلاصهم من نظام الأسد ومن داعش وشبيهاتها، ينتظر السوريّون أحبابهم المغيبين، المخطوفين، المعتقلين؛ ينتظر أهل المناطق المحاصرة يوم الفرج وفك الحصار، ينتظر أبي وتنتظر أمي الرجوع لبيتهما، ينتظر وينتظر، الانتظار تعويذة هذه الحياة اللعينة.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s