هل يعيد تاريخ “مرج دابق” نفسه بدخول الاتراك حرب سوريا؟

محمد جمال – إيوان24

هل هي مصادفة أن ترفض تركيا التدخل في سوريا، لسنوات، ثم تختار ذكري معركة “مرج دابق” التي شهدت تحول منطقة الشروق الاوسط لمنطقة نفوذ للعثمانيين أثر هزيمتهم للسلطنة المملوكية وسيطرتهم على الشام ومصر وما حولهما لتضيف الإمبراطورية العثمانية المزيد من الامجاد لنفسها؟

أليست مفارقة أن يفسر “داعش” معركة مرج دابق على انها بداية الفتوحات الاسلامية (له) رغم أنها انتصار تركي، ويعتبر سيطرته على المدينة منذ 2014، واصدار مجلته باسمها (دابق)، مقدمة لانتصاراته، ثم يتعرض للهزيمة علي يد من انتصروا في “مرج دابق”؟.

وتخضع منطقة مرج دابق لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية منذ أكثر من عامين، بعد أن كانت خاضعة للجيش الحر، وتبعد عن جرابلس حوالي 70 كيلومترًا، وبعد تحرير الجيش الحر لجرابلس سيبدأ زحفه الاهم على مرج دابق عاصمة داعش ورمز دولتهم الاسلامية.

كثيرون يرون أن دخول تركيا الحرب في سوريا في ذكرى “مرج دابق” التي تواكب 8 أو 24 أغسطس قبل 500 عام جاء مخططا ضمن سعي اردوغان لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، أو ما يسمي “العثمانية الجديدة”، على غرار أسلافه قبل قرون، كما صرح مرارًا.

ويري محللون أخرون أن الامر محض صدفة، جاءت بالتزامن مع فشل الانقلاب العسكري وتحويل الجيش التركي لدوره الفعلي في حماية الحدود بدل التدخل في السياسة الداخلية، ولكنها مصادفة ذات دلالة ان يواكب التدخل الحالي، ذكري التدخل العثماني في الشام والسيطرة على منطقة الشرق الاوسط.

فقبل 500 عام وتحديدا يوم 8 أغسطس 1516، جرت معركة “مرج دابق” التي انتصر فيها الجيشُ العثماني بقيادة السلطان “سليم شاه” على الجيش المملوكي بقيادة السلطان “قانصوه الغوري”، وكانت نقطة تحول في تاريخ المنطقة، واعتبرت مقدمة للفتوحات الاسلامية وتغيير وجه الشرق الاوسط ككل للسيطرة العثمانية السنية، خصوصا أنه سبقها انتصار العثمانيين علي الدولة الصفوية الشيعية في معركة “جالديران”، 23 أغسطس 1514 واحتلالها مدينة تبريز عاصمة الدولة الصفوية.

وبعد سلسلة المعارك هذه وما نتج عنها من سيطرة عثمانية على الشرق الاوسط، اتسعت رقعة دولة الخلافة العثمانية، لتشمل كل الشرق الاوسط وأجزاء من اسيا وأفريقيا لنحو 400 عام، وتصبح المنافس الأقوى لأوروبا، قبل أن تدب فيها عوامل الضعف وتنهار في الحرب العالمية الثانية.

توقيت التدخل التركي تاريخيا

بعد فترة تردد طويلة، ادت لسيطرة كردية وداعشية على منطقة الحدود التركية السورية الشمالية، واختلال في موازين القوي التي تتحارب على الارض كوكلاء عن دول أجنبية، لصالح إيران وروسيا، دخلت القوات التركية الأراضي السورية برًا وجوًا، في أول توغل بري من نوعه بغية طرد تنظيم الدولة الإسلامية والاكراد، من مدينة طرابلس شمال شرق حلب.

وجاء التدخل التركي لدعم “الجيش السوري الحر”، في ذكري معركة مرج دابق، ليفجر مقارنات حول إعادة التاريخ نفسه في الصراع التركي السوري، وهل يكون التدخل التركي في سوريا مقدمة على غرار تدخله في الشام وانتصار “مرج دابق”، واستعادة امجاد الإمبراطورية العثمانية أم أن الوضع العالمي تغير وهناك أكثر من عائق أمام تحقيق الاحلام التركية؟

وصادف دخول قوات المهام الخاصة التركية فجر الأربعاء إلى مدينة جرابلس السورية بريف حلب الشمالي في إطار حملة “درع الفرات”، الذكرى 500 لانتصار الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول “ياووز” في معركة “مرج دابق” يوم 24 أغسطس/آب عام 1516، ودخوله إلى سوريا.

ومنذ اندلاع الحرب في سوريا، وهناك عمليات ترميز تاريخية لما يجري هناك بأنه تعبير عن امتداد لصراعات قديمة بين “العثمانيين” و”الموالين للصفويين”، وجاء التدخل التركي في ذكري “مرج دابق” ليعزز هذه النظريات.

ويري الدكتور “عقيل سعيد محفوض“، الباحث والأكاديمي السوري أن المعارك في الشمال السوري، وبالأخص حلب، هي استمرار لمنطق معركة “مرج دابق”، مثل الرهانات الجيوستراتيجية والاقتصادية، والتحالفات المضادة، والمذهبية والتطييف (الطائفية) الفائق للسياسات”.

ويشير لأنه منذ البداية تشكل التحالف الداعم للمقاومة السورية الذي تقوده تركيا والسعودية وأطراف أخرى، ضد التحالف القائم بين سورية وإيران والعراق وحزب الله، كمعادل تاريخي وموضوعي للتحالف بين الدولتين المملوكية والصفوية في بدايات القرن السادس عشر.

ويدلل على هذا بالحديث في السعودية وتركيا عن “الهلال السني” في مواجهة “الهلال الشيعي”، و”الأطماع الإيرانية”، وغير ذلك من المقولات الإيديولوجية.

فقبل هذا كان لدى السلطان العثماني سليم خان أسباب عديدة لتركيز حروبه ضد خصمين رئيسين في الشرق، وتحويل قواته من اوروبا الي المشرق، هما الدولة الصفوية (شيعية)، الدولة المملوكية في الشام ومصر (سنية) باعتبارها من المتحالفين مع الصفويين.

لذلك مثلت معركة “مرج دابق” نقطة تحول تاريخية في طبيعة العلاقات الإقليمية في منطقة الشرق الاوسط، إذ أدت إلى القضاء على السلطنة المملوكية في الشام ومصر، وأصبح أكثر الشرق تحت السيطرة العثمانية.

وبعد 500 عام على معركة مرج دابق، لا يبدو أن منطق التاريخ قد تغير، وهناك مؤشرات ودلائل على استعادة رمزية المعركة المذكورة في الحرب السورية الحالية، بما يعني تحول في السياسة التركية الي التدخل عسكريا في الشام واستعادة النفوذ تمهيدا لهزيمة “الصفويين” – الايرانيين هذه المرة – والمتحالفين معهم (نظام الاسد وحزب الله ومن يدعمهم).

الفارق بين العثمانيين القدامى والجدد

ملابسات معركة مرج دابق، جاءت في ظل سعي السلطان سليم الأول لتوحيد الأمصار الإسلامية لتكون تابعة للدولة العثمانية، وخاصة بعد أن تنامى الوجود الصليبي في المنطقة وسقوط الأندلس التي لم تحاول الدول الإسلامية الموجودة في ذلك الوقت إنقاذها، وأيضًا ظهور البرتغاليين الذين احتلوا بعض القواعد في اليمن وعمان بعد اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح، وسعوا لمواصلة زحفهم إلى المدينة النبوية.

فاشتبك مع الدولة الصفوية الشيعية التي حاولت مهاجمة الدولة العثمانية من ناحية الشرق، وقامت بالتحالف مع البرتغاليين ضد العثمانيين خصوصًا، ثم مع دولة المماليك في مصر والشام، فأصبح العثمانيون قادرين على صد هجمات البرتغاليين من الجنوب، وهجمات الأسبان من ناحية الغرب.

وعندما وضع مهندس حزب اردوغان المستقيل من رئاسة الوزراء (داوود اغلو) معالم “العثمانية الجديدة”، وهي رؤية لتجديد تركيا، حدد ثلاثة مرتكزات.

(أولها): أن تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الإسلامية بسلام وتعتز بماضيها “الإسلامي” متعدد الثقافات والأعراق.

و(ثانيها): استبطان حسّ العظمة والكبرياء العثماني والثقة بالنفس عند التصرُّف في السياسة الخارجية، والتخلص من الشعور بالضعف أو بالنقص تجاه الآخرين.

أما العنصر (الثالث) في رؤية تجديد تركيا: فهو الاستمرار في الانفتاح على الغرب مع تقوية العلاقات مع الشرق الإسلامي.

ويبدو أن اردوغان الذي بدأ في تفعيل البند الثاني منذ يناير 2015، بقرارات تعليم اللغة العثمانية المكتوبة بالعربية بدلا من اللاتينية التي فرضها أتاتورك، في المناهج الدراسية، واعتماد “الحرس العثماني”، يسعي حاليا لتفعيل “الفعل” العثماني بعدما رسخ “الشكل العثماني”.

هل تسقط “دابق”؟

منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، على مدينة (دابق) السورية قرب الحدود التركية (15 كم) وجعلها مقرا رئيسيا لهم، واستماتتهم في القتال للحصول عليها وجعلها اسما لمجلتهم التي تصدر باللغة الانجليزية، وهم يشيرون لدلائل تاريخية ودينية لها.

فالدواعش يعتقدون أن بلدة “دابق” في ريف حلب السورية، ستكون مسرحا لمعركة منتظرة بين المسلمين والكفار، مستندين في هذا لحديث نبوي شريف ورد في صحيح مسلم، وإنها بداية لتمدد التنظيم إلى باقي المناطق العربية وتركيا وصولاً إلى الغرب، وأن هذه المعركة لن تقوم إلا بنزول الجيوش الدولية على الأرض السورية وقتلها بريا.

وعندما شحذ تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) همم مقاتليه للتقدم شمال سورية قرب حدود تركيا والسيطرة على بلدة دابق كان يستند إلى رمزيتها باعتبارها مهدت لـ «الفتوحات» العثمانية قبل نحو 500 سنة، وباعتبار أنها ستكون المكان الأخير لمعركة الخير والشر، ولأن دابق ليست مهمة من الناحية العسكرية، بل مهمة رمزياً.

ولكن المفارقة الان ان تركيا وقوي اسلامية سنية هي التي تستعد حاليا لطرد داعش من عاصمتها (دابق)، ولكن تكون المعركة كما قالوا بين مسلمين وكفار وإنما مسلمين ومسلمين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s