بعد جولات من الدبلوماسية الغامضة.. تركيا تتدخل عسكريا في سوريا

يتحول المشهد سريعا في شمال سوريا؛ حيث كشف التدخل العسكري التركي عن تغيير الرئيس «رجب طيب أردوغان» لأولوياته كما أن اللعبة الدبلوماسية الإقليمية تسير بخطى سريعة.

في صباح يوم 24 أغسطس/آب تقدمت الدبابات التركية عبر الحدود لدعم هجوم شنه عدة مئات من المقاتلين السوريين ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وقال مسؤولون في واشنطن للصحفيين إن القوات التركية وقوات الثورة السورية كانت مدعومة أيضا من المستشارين الأمريكيين وطائرات الاستطلاع، وأن الغارات الجوية الأمريكية في طريقها للمساندة.

يهدف التدخل لاستعادة جرابلس، وهي بلدة حدودية يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية» وهي بمثابة محور التنظيم الرئيسي من أجل التهريب والتجارة في شمال سوريا. وقد كان إغلاق فجوة جرابلس على رأس أولويات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد «الدولة الإسلامية» منذ فترة طويلة، ولكن الجماعات الكردية السورية المعادية لأنقرة تطمع أيضا في المنطقة كجزء من مشروع بناء الأمة الكردية الخاص بهم في شمال سوريا، والتي يشيرون إليها بكردستان السورية أو «روجافا».

وقال مصدر عسكري تركي لرويترز: «إن الهدف من العملية هو ضمان أمن الحدود ووحدة سوريا الترابية في حين تدعم عمليات قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية»، ولكن نظرا لأولوية وضعت من قبل المسؤولين الاتراك حول القضية الكردية، فإن الكلمات الرئيسية هنا قد تكون في الواقع مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدبلوماسية الإقليمية التركية السرية سريعة الحركة.

مشكلة تركيا في سوريا

سعت تركيا منذ فترة طويلة للعب مع فكرة التدخل في سوريا، وقد وافق البرلمان في أنقرة على شن غارات عبر الحدود حسب تقدير الحكومة منذ عام 2012، في قرار يتم تأكيده سنويا. وفي العام الماضي، سعى الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» لكسب دعم الولايات المتحدة لتطبيق «منطقة آمنة» في المناطق الواقعة شمالي حلب، بما في ذلك جرابلس، لمنع  سيطرة أعدائه الأكراد عليها. ولكن الاتفاق المبدئي تعثر بسبب الخلافات والتوقيت، كما أن التدخل الروسي في سوريا في سبتمبر/أيلول 2015 ساهم في تعقيد الأمور.

في ربيع هذا العام، بدأ «أردوغان» بتعديل السياسة الخارجية التركية هربا من تزايد العزلة الدولية. ومنذ ذلك الحين تم إصلاح العلاقات مع إسرائيل وروسيا، ويبدو أن منظور تركيا قد تحول قليلا إلى سوريا أيضا، وتم إعطاء اهتمام أكثر وزنا لقضايا النفوذ الكردي، تسلل الجهاديين، وأمن الحدود.

يبدو أن القضية الكردية الآن تتصدر قائمة أولويات «أردوغان» في سوريا. على مدى السنوات القليلة الماضية، سيطرت الفصائل الكردية السورية إلى جانب حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يخوض حربا منذ عقود ضد الحكومة في تركيا، على أجزاء واسعة من شمال سوريا. وقد استفاد الأكراد على حد سواء من اتفاق عدم الاعتداء مع حكومة «الأسد»، فضلا عن تاريخ من العلاقات القوية مع روسيا وإيران. ولكن السبب الأهم لاستيلائهم على السلطة هو دعم الولايات المتحدة القوي المقدم للميليشيات الكردية، والتي تعمل تحت غطاء التحالف المعروف باسم «قوات سورية الديمقراطية». وبالنسبة للولايات المتحدة فإن دخولها الحرب السورية باعتبارها القوة الجوية للجيش الكردي قد يكون له معنى استراتيجي جيد في حرب واشنطن ضد «الدولة الإسلامية»، ولكن احتمال وجود حزب العمال الكردستاني كدويلة نفطية ومدعومة من الولايات المتحدة على حدودها الجنوبية هو كابوس لتركيا كما قال نائب رئيس الوزراء «نعمان كورتولموش» إن سياسة أمريكا في سوريا «مصدر للكثير من المعاناة لتركيا اليوم».

ومع ذلك، من الصعب قراءة التصريحات التركية حول سوريا، ويبدو أن لهجتها تختلف إلى حد ما من مسؤول إلى آخر؛ فبينما قال وزير الخارجية «مولود تشاويش أوغلو» إن «بشار الأسد» لا يمكن أن يلعب دورا في أي عملية انتقالية سورية، أشار رئيس الوزراء «بنعلي يلدريم» إلى وجود موقف أكثر مرونة. حيث قال مؤخرا إن الرئيس السوري يمكن أن يشارك في «محادثات الانتقال» على الرغم من أنه يجب أن يترك السلطة «على المدى الطويل». ويشير ذلك إلى الأهمية التي توليها تركيا للمسألة الكردية، وقال يلدريم أيضا أن تركيا سوف تكون صاحبة «دور أكثر فاعلية» في الأشهر الستة المقبلة لمنع سوريا من أن تكون «منقسمة على أسس عرقية». وفي 18 أغسطس/آب، أكد «يلدريم» ضرورة «الحفاظ على السلامة الإقليمية لسوريا» و ألمح إلى أن «تطور جدير بالذكر في هذا الطريق يمكن أن يكون في الأشهر المقبلة». ربما هذا هو ما نراه الآن يحدث في جرابلس!

المؤثرات الداخلية والخارجية على سياسة أنقرة في سوريا

وقال «هارون شتاين»، زميل أول في المجلس الأطلسي مؤخرا: «في نواح كثيرة، يبدو سعي لتركيا للضغط والشراكات الجديدة في سوريا ناتجا عن التغييرات الداخلية وإعادة التقييم الواقعية من جانب أردوغان».

وأضاف «إنها مؤشر على اتجاه أوسع في صنع القرار التركي منذ أن أجبر وزير الخارجية السابق في تركيا ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو على ترك السلطة في مايو من هذا العام». «إن التواصل مع جيران تركيا للهروب من العزلة الدولية بدأ قبل ذلك، ولكن استقالة داود أوغلو أعطت الفضاء السياسي المحلي اللازم لوضع اللمسات الأخيرة لتغيرات طويلة في طور التكوين».

وتسعى الجهات الخارجية أيضا للتأثير على تفكير أنقرة في سوريا. وسعت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة لتحسين التعاون التركي ضد «الدولة الإسلامية» لكنها جاهدت لإبعاد معارضة أنقرة للأكراد في سوريا.

بعد محاولة الانقلاب ضد أردوغان في 15 يوليو/تموز من هذا العام حدث المزيد من التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا. وبعد استئناف علاقاتها الخاصة مع أنقرة، سعت الحكومة الروسية لاستغلال هذه التوترات لسحب تركيا بعيدا عن المعسكر المناهض للأسد. آخرون أيضا لديهم جدول الأعمال نفسه، وبحسب ما ورد على حد سواء فإن الجزائر وإيران سعتا للتوسط بين «أردوغان» و«الأسد». وقد رحب الأتراك بالمشاركة الروسية الإيرانية، سواء لكسب الضغط على واشنطن أو لتحقيق المصالح المشتركة حتى في عدم وجود اتفاق حول مستقبل «بشار الأسد».

قال وزير الخارجية «تشاوش أوغلو» الأسبوع الماضي «لقد قلنا مرارا وتكرارا، حتى في فترة الأزمة في علاقاتنا، أنه سيكون من المستحيل تحقيق حل دائم في سوريا من دون مشاركة روسيا، ونواصل الإصرار على هذا».

«ونفس الشيء يمكن أن يقال عن إيران، والتي نحن نتفاوض معها في الوقت الراهن، وكذلك نهدف إلى تعزيز التعاون في هذا المجال».

في الواقع، بعد اجتماعه في أنقرة مع نظيره الايراني «محمد جواد ظريف»، قال وزير الخارجية «تشاوش أوغلو» اتفقت الدولتان على «الحفاظ على اتصال أوثق» في قضية «وحدة الأراضي السورية».

وحرصا على تحقيق الاستفادة القصوى من هذه التفاهمات وتشجيع تركيا للابتعاد عن المعارضة السورية، تحدث «علي أكبر ولايتي»، وهو مستشار مؤثر للزعيم الأعلى الإيراني «علي خامنئي»، عن التعاون (الإيراني – الروسي – التركي) في النضال ضد (الإرهاب) في سوريا. وقالت مصادر تركية للصحافة السعودية أن إيران ساعدت على إعادة شكل من أشكال الاتصال بين دمشق وأنقرة، مرددا مزاعم غير مؤكدة لصحيفة لبنانية صديقة للأسد أن مسؤول مخابرات تركي رفيع المستوى زار دمشق أخيرا.

ومن المثير للاهتمام، أن هذه الدبلوماسية سريعة الخطى قد لعبت على خلفية الاشتباكات النادرة بين حكومة «بشار الأسد» والأكراد السوريين في مدينة الحسكة في شرق سوريا.  انتهى الاقتتال انتهت لتوه بوقف لاطلاق النار بشروط سيئة للحكومة. وفي حين تستغل دمشق هذه القضية لإرسال إشارات خفية إلى أنقرة حول حزب العمال الكردستاني كونه تهديدا مشترك على حد سواء، وتقوم باللوم على الأكراد أيضا في حين يسعى الأسد للتعاون مع تركيا من خلال المساعي الحميدة لإيران.

هل منبج هي سبب التدخل؟

أثير التدخل التركي من قبل، بسبب خلاف حول المدى الذي ينبغي أن يسمح للأكراد للمضي قدما في منطقة حلب.

في جهودها لاسترضاء تركيا، ردت الولايات المتحدة بالموافقة العام الماضي على منع قوات سورية الديمقراطية من التحرك عبر نهر الفرات في منطقة حلب، حيث تقع جرابلس وهو ما من شأنه أن يكون خطا أحمرا مضمونا من قبل الولايات المتحدة، في مقابل تعاون تركيا بشأن قضية «الدولة الإسلامية».

في ديسمبر/كانون أول الماضي، تمكنت قوات سورية الديمقراطية من الاستيلاء على جيب صغير من الأراضي غرب سد أكتوبر، مما جعل أنقرة تهدد. ولكن على الأقل يبدو ظاهريا قبول ما قالته الولايات المتحدة أن العملية استندت إلى مكونات غير كردية وأن وزارة الدفاع الأمريكية من شأنها كبح جماح الأكراد من التقدم أكثر. ثم، في شهر مايو/أيار، وبعد جيب سد أكتوبر تمددت قوات سورية الديمقراطية فجأة نحو الغرب كما ابتلعت مركز «الدولة الإسلامية» الإقليمي في منبج. وبعد حصار لمدة شهرين، سقطت المدينة في منتصف أغسطس/آب. وذكر كل من الأتراك والأمريكيين بعد ذلك أن الأعضاء الأكراد في قوات سورية الديمقراطية قد وعدوا بالانسحاب بعد المعركة وترك المدينة تحت سيطرة الفصائل الأصغر حجما ومعظمها من العرب. وقد قال وزير الخارجية التركي يوم 15 أغسطس/آب: «إننا نتوقع منهم الالتزام بوعدهم».

لكن القيادات الكردية السوري قررت الاحتفال بسقوط  منبج عبر سلسلة من التصريحات الجريئة عن الذهاب إلى الاستيلاء على المنطقة المحيطة بها، وضرب الخطوط الحمراء التركية اللعينة بالحائط، وقد أدلى بعض وحدات قوات سورية  الديمقراطية بتصريحات حوا تقدم دفعة شمالا نحو جرابلس والمنطقة الحدودية. ووفقا لمسؤولين أمريكيين، هذا هو ما تسبب في التدخل التركي. وأضاف إن «الأتراك قد استشاطوا غضبا»، ولمنع الفصائل الكردية قررت أنقرة شن ضربة استباقية على جرابلس قبل أن يصل أعداؤهم الأكراد إلى هناك أو تأمين سيطرتهم على المنطقة على نطاق أوسع.

في الواقع، في الدفاع عن التدخل التركي، أشار «تشاوش أوغلو» مباشرة للاتفاق بين الولايات المتحدة والتركية حول السيطرة الكردية على منبج، واتهم الأكراد السوريين بانتهاكها.

من داخل اللعبة الدبلوماسية ومن خارجها؟

وفيما يتعلق بقضية تخطي الأكراد السوريين الحدود المصرح بها، اكتسبت تركيا بالفعل دعم الولايات المتحدة، سواء كان ذلك بقرار مرتجل للحفاظ على النفوذ مع أنقرة أم لا. وتزامن التدخل مع زيارة نائب الرئيس الأميركي «جو بايدن» إلى أنقرة، الذي سارع مطالبا الجماعات الكردية بالقول: «يجب أن تتحرك إلى الخلف عبر نهر الفرات»، موضحا: «لا يستطيعون بسط الإرادة  تحت أي ظرف دون الحصول على الدعم الأميركي».

مثل هذه التصريحات من الولايات المتحدة تبدو مضمونة تقريبا لجعل حزب العمال الكردستاني في المنطقة الحدودية لا يمكن الدفاع عنه حيث أن الأكراد يعتمدون اعتمادا كبيرا على الدعم الجوي الأمريكي. وقد تعهد زعيم كردي سوري بأن تركيا سوف تحاصر في «مستنقع سوريا».

وليس أقل إثارة للاهتمام أن نلاحظ أن هناك ردود فعل صامتة من موسكو وطهران. بينما حكومة «الأسد» في دمشق ردت بغضب ونددت التدخل بأنه «انتهاك صارخ لسيادتها»، أخذت موسكو موقفا أكثر حذرا. «إجراءات مكافحة الإرهاب في سورية مهمة الآن كما لم يحدث من قبل، وخاصة على الحدود التركية السورية»، قال مصدر حكومي لوكالة أنباء «تاس» المملوكة للدولة؛ مضيفا: «التعاون مع دمشق هو عامل مهم لفعاليتها». ثم أعلنت وزارة الخارجية الروسية في موسكو نفسها «أنها تشعر بقلق عميق إزاء الأحداث الجارية في منطقة الحدود السورية التركية» وقالت وزارة الخارجية الروسية «أنها تحذر من ارتفاع التناقضات بين الجماعات العرقية الأكراد والعرب»، لكنها لم تطالب بانسحاب القوات التركية. وفي الوقت نفسه، حافظت وسائل الإعلام والمسؤولين الإيرانيين حتى الآن على ما يبدو على الصمت المدروس لمزايا الخطوة التركية، على الرغم من أخذ اعتبار المصلحة في هذه القضية.

وبالنسبة للقيادة الكردية في سوريا، الأمور واضحة: لقد تم التوصل إلى اتفاق سري بين حكومات أنقرة ودمشق وطهران. في الواقع، تركيا تبدو على ثقة من أن تدخلها لن يجد معارضة حادة جدا من قبل حلفاء «الأسد». وعلى الرغم من أن روسيا قد أعربت عن «قلقها» من الصعب أن نتصور أن تركيا، كعضو حلف شمال الأطلسي ولديها الترسانة النووية الأمريكية، أن تأمر جيشها بالتحرك إلى بلد تحرسه القوات الجوية الروسية دون التوصل لاتفاق حول كيفية التعامل مع والوضع إذا كان الأمر كذلك، مع واشنطن.

ويبدو من شبه المؤكد أن تدخل جرابلس سبقه نوع من التفاهم بين تركيا وعلى الأرجح عدة جهات فاعلة أخرى في الحرب. ما يبقى أن يعرف هو كيف تم التخطيط، وكيف كانت العديد من الدول والفصائل في الواقع على درجة من السرية، وإلى أي مدى سيقبل اللاعبون الرئيسيون الآخرون تقدم تركيا والمجموعات المدعومة منها وإذا كان هناك أي بعد سياسي أعمق للتدخل التركي. هل وافق «أردوغان» على امتيازات تجارية مع «الأسد»، أو مع إيران أو روسيا، أو اتفق على تلك المسألة مع الولايات المتحدة، في مقابل الحصول على إذن لإعادة ترتيب المشهد الفصائل شمال حلب؟

يبدو أن الأكراد حاليا دون مقعد في لعبة الكراسي الموسيقية الغريبة في شمال سوريا، وهو ظرف نموذجي من حالة الحرب السورية اليوم. وبرغم تنافس الفصائل من أجل النفوذ، فإن الأسباب الأصلية للصراع تتلاشى ببطء بعيدا والصفقات الانتهازية أصبحت هي النظام الجديد اليوم، بين المتمردين وأنصار الحكومة على أرض الواقع وكذلك بين العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية في الحرب. وبينما تبدأ «الدولة الإسلامية» في الانهيار ببطء وتفقد قبضتها على شمال وشرق سوريا، فإن جميع الاطراف تعمل على التحرك واستغلال ثغرات جديدة، أو على الأقل لحرمان أعدائهم.

مع تكبيل قوات الأسد في حلب من قبل القوات المدعومة من تركيا، فإن حرب المواقع في منطقة (جرابلس – منج) بدأت الآن بشكل واضح. وسيتم خوضها من قبل السوريين والأجانب، في ساحة المعركة وفي قاعات المؤتمرات، ولن تنتهي في أي وقت قريب.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s