5 حروب كادت تدمر العالم

بالتزامن مع ذكرى تفكك الاتحاد السوفيتي نحكي لك اليوم 5 قصص مثيرة، خمس جولات شهدها القرن العشرين، ضمن الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كادت تتحول إلى حروب نووية تدمر العالم كله؛ حبس العالم أنفاسه، وتبادلت أمريكا والاتحاد السوفيتي اللكمات المؤلمة، قبل أن ينهار الأخير بالضربة القاضية.

الحرب الكورية: في البدء كان «كيم»

كانت شبه الجزيرة الكورية مجرد إقليمٍ ناءٍ صغير الحجم، احتله اليابانيون منذ عام 1910، وعقب هزيمة اليابان واستسلامها خلال الحرب العالمية الثانية، اتفق الأمريكيون والسوفييت على تقاسم أعباء إدارة الإقليم، تم تقسيم البلاد عند خط عرض 38، وكان من المفترض أن يكون ذلك التقسيم مؤقتًا، واتُّفق على أن يعمل الجانبان لاحقًا على تأسيس كوريا موحدة.

باءت محاولات الوحدة بالفشل، فتأسس في الشمال نظام مدعوم سوفيتيا برئاسة «كيم إيل سونج»، فيما تأسس نظام قومي في الجنوب معادٍ للشيوعية ومتمتع بالحماية الأمريكية، وفي يونية 1950، وفي حين كان الأمريكيون يستعدون لتخفيض عدد قواتهم في كوريا الجنوبية التي لم يكن لها سوى قيمة إستراتيجية طفيفة، فاجأت كوريا الشمالية العالم بغزو جارتها الجنوبية بعشرات الآلاف من الجنود ومئات المدرعات، وانضم إليهم متطوعون من الصين، التي كانت حديثة العهد بانتصار الشيوعية بقيادة «ماو تسي تونج»، والذي كان متحمسًا لأن يجد لنفسه مكانا في قيادة العالم الشيوعي.

أعطى هذا الهجوم الكوري الشمالي، المدعوم سوفيتيا وصينيا إيحاءً بأن المعسكر الشيوعي قد تجاوز الحدود، وأنه يؤصل لنهج تدخلي تفرض فيه الشيوعية نفسها بقوة السلاح، سارع الأمريكيون بقيادة رئيسهم «هاري ترومان» إلى إنقاذ حليفهم الكوري الجنوبي الذي يئن تحت ضربات الرايات الحمراء، فأرسلوا قواتهم البحرية والجوية،والتي تم تدعيمها لاحقا بحشود قتالية برية.

أخذت تلك القوات الصبغة الدولية بعد إدانة الأمم المتحدة للهجوم الكوري الشمالي، وقد أنقذ ذلك التدخل الطارئ كوريا الجنوبية من السقوط في أيدي الشيوعيين، وانتهت الحرب الكورية عام 1953، بالاتفاق على عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو الشمالي.

أكسبت «الحرب الكورية» الحرب الباردة طابعها العالمي، ونقلتها من صراع موضعي في مناطق التماس الأوروبية إلى حالة عامة شملت كل قارات العالم.

تايوان بين بكين وواشنطن: مستعدون للحرب النووية

لم يكن الاتحاد السوفيتي هو الممثل الشيوعي لهذه الجولة من جولات الصراع، بل كانت الصين بزعامة «ماو تسي تونج»، كان الأخير متحمسا لتبوأ مركز القيادة بين أمم العالم الثالث الثائرة، وساعيا لمنافسة موسكو على قيادة المعسكر الشيوعي.

في يوليو من عام 1958، وعلى إثر إنزال أمريكي في لبنان عقب انقلاب أطاح بالحكومة العراقية الموالية لواشنطن، أمر «ماو »قواته بقصف جزر تاويانية قرابة سواحل الصين، خشي الرئيس الأمريكي أيزنهاور أن هذا القصف هو مقدمة لاجتياح بري واسع كما حدث أثناء الحرب الكورية، فأرسل أسطولا بحريا ضخما إلى مضيق تايوان، ووُضعت القوات الأمريكية في حالة تأهب، كما أمر بإرسال قوات إضافية مزودة بالسلاح النووي إلى المنطقة.

كان الأمريكيون يأملون من خلال استعراض القوة هذا إلى ردع الهجوم الصيني، وحثَّ المستشارون أيزنهاور على توجيه ضربات نووية محدودة إلى المنشآت العسكرية الصينية، رد الصينيون بأنهم «مستعدين لتلقي كل الضربات القاسية بما فيها القنابل الذرية ودمار المدن»، ونقل السوفييت إلى الرئيس الأمريكي رسالة مؤداها أنه «إذا كان الأمريكيون يملكون أسلحة نووية وهيدروجينية، فإن لدي الاتحاد السوفيتي كذلك أسلحة نووية وهيدروجينية»، هددت موسكو تلميحًا وتصريحًا، بأن استخدام الأمريكيين لهذه الأسلحة ضد الصينيين من شأنه أن يشعل «حربا عالمية».

أنهى ماو الأزمة حين أعلن من طرف واحد أنه سيوقف قصف الجزر التايوانية شريطة مغادرة السفن البحرية مضيق تايوان، كان العالم على أعتاب حرب نووية.

الصواريخ الكوبية: شعرة واحدة كانت تفصل العالم عن الجنون

«فيدل كاسترو»، ثوري كوبي متحمس، نجح برفقة «جيفارا» وحفنة من الشباب الاشتراكي في إسقاط نظام الطاغية «باتيستا»، وبدأ في تنفيذ برنامجه الطموح للتخلص من الاحتلال الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على جارتها الصغيرة. حاول الأمريكان اغتياله عدة مرات، خططوا للانقلاب عليه، وحاولوا غزو الجزيرة عدة مرات، لكنهم فشلوا، وبقي كاسترو. رأى السوفييت في كوبا قلعة متقدمة للشيوعية في قلب حديقة الولايات المتحدة الخلفية، وقاعدة لدعم الحكومات الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، وتوطدت العلاقات السوفيتية – الكوبية، لترسم تلك العلاقة ملامح أخطر أزمة شهدتها الحرب الباردة على الإطلاق، والتي عرفت بـ«أزمة الصواريخ الكوبية».

في 1961 سعت الولايات المتحدة لإسقاط نظام كاسترو عن طريق إنزال جنود مرتزقة ومعارضين كوبيين، تلقوا التدريب العسكري في أمريكا، ومدعومين بجنود أمريكيين، على ساحل خليج الخنازير في كوبا. تزامن مع الهجوم البري قصف لعدد من المطارات والمرافق الكوبية بواسطة طائرات انطلقت من الولايات المتحدة. إلا أن الجيش الكوبي والميليشيات الشعبية تمكنت من صد هذا الغزو. في نفس الوقت كانت الولايات المتحدة تنشر صواريخها بعيدة المدى في تركيا وإيطاليا، صواريخ نووية قادرة على دك موسكو في لمح البصر.

طلب كاسترو الحماية من الاتحاد السوفيتي، واتفق معهم على نشر صواريخ سوفيتية متوسطة المدى – قادرة على حمل رؤوس نووية – في كوبا، لتكون جاهزة للرد على أي محاولة أمريكية جديدة لغزو الجزيرة، أو في حال استخدمت الولايات المتحدة صواريخ جوبيتر لضرب الاتحاد السوفيتي.

أعلن الرئيس الأمريكي كينيدي في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1962، في خطابه للأمة الأمريكية، فرض الحصار البحري على كوبا لمنع وصول المزيد من الصواريخ، ورد الاتحاد السوفيتي بأن منع حرية الملاحة في مياه دولية استفزاز غير مقبول وقادر على إشعال حرب نووية. وفيما بدا للحظة أن الموقف قد خرج عن السيطرة، توصل المفاوضون الأمريكيون والسوفييت إلى حل وسط يقضي بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، في مقابل امتناع أمريكا عن تكرار محاولاتها غزو الجزيرة وسحب صواريخها النووية من تركيا وإيطاليا.

لاحقا، في منتصف الستينات طور السوفييت جيلا جديدا من الصواريخ البالستية القادرة على إلحاق الضرر بالأراضي الأمريكية، في أي صراع نووي، لدى إطلاقها من عمق الأراضي السوفيتية، وهو ما أدى إلى رأب الفجوة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، الأمر الذي جعل استخدام السلاح النووي من أي من البلدين ضد الآخر غير منطقي، وفقا لمبدأ التدمير المتبادل المؤكد.

فيتنام: مستنقع آسيا حمراء

كانت فيتنام مستعمرة فرنسية نجحت اليابان في احتلالها خلال الحرب العالمية الثانية، ثم استعادها الفرنسيون مع نهاية الحرب، وأعلن الفيتناميون حينئذ حربا ضروسا على المستعمر الفرنسي. تلقى الثوار الدعم من روسيا والصين الشيوعيتين، وبحلول العام 1954 كانت فرنسا مُجبرة على الاستسلام، وفي محاولة أخيرة لاحتواء النفوذ الشيوعي المتصاعد في البلاد، جرى الاتفاق على تقسيم البلاد إلى جزء شمالي عاصمته «هانوي»، كان مواليا للمحور الشيوعي، فيما كانت حكومة «سايغون» في الجنوب موالية للغرب.

كان الحكم في الجنوب يزداد هشاشة مع الوقت، وتلقى الثوار الشيوعيين الدعم من الفيتنام الشمالي، وفي محاولة لمنع سقوط سايغون بيد «العدو الشيوعي»، بدأ الجنود الأمريكيون في التدفق على فيتنام الجنوبية. كان الأمريكيون ينزلقون إلى المستنقع بسرعة الصاروخ؛ بدأت طلائع العسكريين الأمريكيين بـ 400 جندي في 1961، وبعد أقل من ست سنوات، كان العدد قد تجاوز نصف المليون جندي.

إن بديل الحرب في فيتنام هو أن تهيمن الصين على جنوب شرق آسيا، وهو ما يعني أن تكون «آسيا حمراء».

وزير الدفاع الأمريكي ماكنمرا

ازداد الصراع حدة، ولاقى الأمريكيون مقاومة شرسة من الثوار المدعومين من فيتنام الشمالية التي تعرضت لقصف عنيف من القوات الأمريكية، وتدريجيا وجدت الإدارة الأمريكية نفسها وحيدة في المعركة، فلم ينجح القصف العنيف المتواصل في أن يفتّ من عضد الفيتناميين الذين واجهوا جحيم الأمريكيين السمائي بجحيم على الأرض لجنودهم. تصاعد التذمر في الشارع الأمريكي من الحرب مع ارتفاع كلفتها، وأخذ معسكر الحلفاء المحليين في الجنوب يشهد انقسامات عدة من قبل العسكريين والسياسيين، وبحلول منتصف السبعينات أدرك البيت الأبيض أن وقت الخروج قد حان. حاول الأمريكيون أن يكون خروجهم مشرفا، وفشلت المحاولة.

أُعلن اتفاق وقف إطلاق النار في 23 يناير/كانون الثاني 1973، وسرعان ما كان آخر جندي أمريكي يغادر أرض فيتنام، غير أن فضيحة ووترغيت والضعف الأمريكي قد منح حكومة الفيتنام الشمالي الفرصة للاتفاف على ذلك الاتفاق، فلم تمضِ إلا شهور قليلة حتى اكتسحت القوات الشيوعية الجنوب، وتُوج الهجوم الكاسح بدخول سايغون في أبريل 1975.

راح ضحية الحرب نحو مليوني قتيل فيتنامي، في مقابل 57 ألف جندي أمريكي، وظلت فيتنام حتى يومنا هذا رمزا للهزيمة الأمريكية.

أفغانستان: القشة التي قصمت ظهر الجيش الأحمر

بالكاد كان «محمد داود خان» قد أتم عامه الخامس في حكم أفغانستان 1973، حين نجح «حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني» في إقصائه من السلطة عام 1978، كان الحزب ماركسيا مدعوما من روسيا، وقد بدأ في تنفيذ أجندة حكم ماركسية تضمنت تعديلات في نظام الأراضي وعادات الزواج، الأمر الذي سرعان ما أكسبه عداء قطاعات واسعة من الشعب الأفغاني، الذين اعتبروا تلك الأفعال متعارضة مع أحكام الدين الإسلامي.

بدأت حركة التمرد تتزايد بسرعة كبيرة، وانضم إليها بعض وحدات الجيش والأمن، أخذت تلك الثورة طابعا إسلاميا في مواجهة «الشيوعية الإلحادية» – كما تم تسميتها في ذلك الحين – وفي ديسيمبر 1979، وفي خطوة حاول الزعماء السوفييت تجنبها مرارا ، بدأت وحدات الجيش السوفييتي في الدخول إلى عمق الأراضي الأفغاني، ظن الروس أن الأمر سيُحسم مبكرا، لكنهم قابلوا «فيتنامهم» في أفغانستان.

لم يستطع السوفييت بسط سيطرتهم خارج نطاق العاصمة كابول، وتعرضوا لضربات قاسية من الثوار الذين اشتد عودهم يوما بعد يوما. تقاطرت أفواج «المجاهدين الإسلاميين» إلى أفغانستان، وتلقى هؤلاء دعما سخيا من الأمريكيين وحلفائهم في الخليج، وحين كانت تستعر الحرب على السوفييت لم يكن أمامهم إلا اتباع سياسة الأرض المحروقة، فكانت كراهية الشعب الأفغاني تزداد، ومقاومته لهم تشتد يوما بعد يوم.

استغرق الأمر نحو خمسة عشر ألف قتيل من القوات الغازية، وعشرات آلاف الجرحى، وفقد الجيش الأحمر أكثر من 400 طائرة، ومئات الدبابات والعربات، كما سقط نحو 18 ألفا من الأفغان الموالين لهم، حتى أدرك السوفييت ان عليهم الانسحاب، فخرجت قواتهم من البلاد عام 1989.

انتصر الأمريكيون على الروس هذه المرة وردوا ردا قاسيا على إذلالهم في فيتنام؛ وأدى استنزاف الروس العسكري والاقتصادي إلى انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه بعد أشهر قليلة. خسرت روسيا تلك الجولة الكبيرة، والأخيرة.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s