واشنطن ليست قلقة من تقارب روسيا وتركيا.. وهي مخطئة في ذلك

راقب البيت الأبيض والبنتاجون ومسؤولو وكالة الاستخبارات الأمريكية مقابلة التاسع من أغسطس/ آب بين الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» ونظيره التركي «رجب طيب أردوغان» بعين الحذر، واعتبروه نجاحًا محدودًا لا يدعو للقلق. ويعد هذا استكمالًا لسلسة الأخطاء وسوء التقدير في مواقف إدارة «أوباما». ففي حين أن العلاقات بين أنقرة وموسكو تتجه إلى شراكة كاملة، فإنّ العلاقات الأمريكية التركية في أدنى مستوياتها.

ويعد الرأي السائد في الدائرة الداخلية للرئيس «أردوغان» أن إدارة «أوباما» ربما لا تكون مشاركة بشكل مباشر في المحاولة الانقلابية، لكنها بالتأكيد أو ينبغي لها أن تكون قد علمت بالترتيب لهذه المحاولة، ولم تبذل أي جهدٍ لتحذير السلطات التركية. وبالنظر إلى وجود المنافس اللدود لـ«أردوغان»، «فتح الله كولن»، على الأراضي الأمريكية وإصرار الولايات المتحدة أن تتخذ مسارًا قضائيًا طويلًا للبت في مطالبات تركيا بتسليم «كولن»، فإنّ العلاقات بين واشنطن وأنقرة في طريقها للسوء لبعض الوقت.

ويعتقد المحللون الأمريكيون الذين راقبوا باهتمام لقاء سان بطرسبرغ بين «بوتين» و«أردوغان» أن المجال الأكبر للتعاون في العلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا سيكون اقتصاديا وليست جيوسياسيا أو عسكريا. فالمساحة الأكبر لالتقاء المصالح بين البلدين هي اقتصادية من المقام الأول. فروسيا تواجه مشاكل اقتصادية كبيرة، كما تواجه تركيا أيضًا تراجعًا في عائدات السياحة نظرًا لامتناع روسيا عن إرسال السائحين الروس إلى تركيا.

وقبل كل شيء، فإن صفقة خط أنابيب الغاز بين روسيا وتركيا، «تركيش ستريم»، تمثل صفقة اقتصادية كبيرة لـ«أردوغان» إذا تم الاتفاق على شروطها بشكل عاجل، وهي على أجندة القمة بين «بوتين» و«أردوغان». كما اتفق الطرفان على المضي قدمًا في بناء المحطة النووية الروسية بتركيا.

واشنطن مقتنعة أن القضايا الثنائية الإقليمية الأخرى ذات الاهتمام المشترك مستعصية على الحل في الوقت الراهن، ولن تتقدم على المدى القصير. وعلى الرغم من أن وفدًا من وزارتي الخارجية والدفاع التركيتين وجهاز الاستخبارات التركي قد سافر بعد القمة بيومين إلى روسيا لفتح حوار ثلاثي جديد، وإعلان «بوتين» و«أردوغان» أن هناك جلسةً مصغرةً ثانية بعد القمة الأساسية، ولاسيما للمناقشة حول نهج مشترك للتعامل مع الحرب السورية، إلا أنه لا يحتمل حدوث تقدم نحو وضع قواعد جديدة للاشتباك لتجنب الاشتباكات العسكرية في المستقبل.

ولا تظن أي من واشنطن أو موسكو أن تركيا سوف تتخلى عن التعاون الوثيق مع السعودية في دعمها للمعارضة السورية، كما أن أنقرة لن توافق على فكرة استمرار «بشار الأسد» في السلطة لأجل غير مسمى. وهناك أرضية مشتركة في هدف التغلب على تنظيم «الدولة الإسلامية» في معقله بالرقة، وهو نفس هدف إدارة «أوباما»، إلا أنه لا يوجد بعد هذا الهدف ما يدعو التعاون الروسي التركي للذهاب أبعد من ذلك، كما تعتقد الولايات المتحدة.

عندما تم إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، ضغطت إدارة «أوباما» والقادة العسكريون الأمريكيون بتركيا لوقف تصعيد الأزمة، وحث روسيا وتركيا للبدء على الفور بالحديث. ومن هذا المنطلق ترى إدارة «أوباما» أن إمكانية التعاون بين تركيا وروسيا محدودة جدًا في النهاية. وآخر ما يريده «أوباما» في آخر ستة أشهر له في مكتبه أن تحدث حرب أخرى، والتي من شأنها الإضرار بإرثه كصانع سلام.

ولكن البنتاجون أعرب عن قلقه من مسألة كبيرة واحدة خلف استعادة العلاقات الروسية التركية. لقد كانت تركيا قاعدة مهمة للولايات المتحدة في سيطرتها على منطقة البحر الأسود، وبالطبع ستكون العلاقة مع تركيا مفيدة جدًا لـ«بوتين» إذا تمكن من الحصول على مرورٍ غير مقيد للبحرية الروسية عبر مضيق البوسفور.

بيت القصيد بالنسبة لإدارة «أوباما»: بعد أن تحولت العلاقة القوية في البداية بين «أوباما» و«أردوغان» إلى ما آلت إليه الآن، فإنّ تركيا أصبحت بالنسبة إلى واشنطن مشكلة تتطلب اهتمامًا كبيرًا من الإدارة (يسعى فصيل من الأحزاب الأوروبية اليمينية المتمركزة بشرق أوروبا إلى الدفع نحو فكرة وجوب طرد تركيا من حلف شمال الأطلسي، الناتو، كما أوقفوا مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي). ويراهن محللو واشنطن أن الرئيس «بوتين» لن يقدم حلولًا أفضل لتركيا.

لكن يبدو أن واشنطن تفتقد لرؤية الصورة الأكبر. ففي غضون أقل من أسبوع، اجتمع «بوتين» مع نظرائه في أذربيجان وإيران وتركيا وأرمينيا. وتوجه وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» إلى تركيا والتقى بالرئيس «أردوغان». وفي كل هذه الاجتماعات تمت مناقشة قضايا اقتصادية في سياق إستراتيجي. ومشروعات مثل الربط بين الشمال والجنوب، وربط الخليج العربي بروسيا وأوروبا وبحر قزوين، وهي مشروعات يمكن أن تغير التوازن في آسيا الصغرى. وتسعى الصين أيضًا إلى الترويج لمشروعها «حزام واحد، طريق واحد» لتعميق التغلغل في الأسواق الأوروبية، كما عرضت دعم مشروع ربط الشمال والجنوب ماديًا، والذي يتطلب مد 170 كيلومتر من السكك الحديدية. وتنفق الهند استثمارات كبيرة في إنشاء ميناء على المياه العميقة في شاباهار الإيرانية على الخليج العماني، وكل ذلك في إطار الترابط الاقتصادي بين الدول الأوروآسيوية.

وكان الإعلام الروسي قد روج بعد يوم واحد من قمة «بوتين- أردوغان» لإمكانية أن تصبح تركيا العضو الجديد الذي ينضم لمجموعة البريكس التي تضم (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). وسوف يلتقي رؤساء دول مجموعة البريكس في قمتهم السنوية أول أكتوبر/ تشرين الأول بالهند.

هذه الصفقات الاقتصادية في حد ذاتها قد تكون هبة من الله لـ«أردوغان»، وقد تكون بديلًا عن الرباط القوي القديم بحلف الناتو وأوروبا والولايات المتحدة. وقد أعلن «بوتين» بشكل واضح، خلال تصريحات علنية له ضد محاولة الانقلاب، أن روسيا لن تقف أمام جهود «أردوغان» لتعزيز سلطته الداخلية، وستغض الطرف بالتأكيد عن أي تعدٍّ على حقوق الإنسان خلال إكمال «أردوغان» لعملية التطهير السياسية.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s