المتن والهامش.. نظرية لم تعد مقبولة!

المتن والهامش، أو القلب والأطراف في الثقافة العربية مرة أخرى! مصطلح قديم يتجدد الحديث عنه مع كل حدث جديد يتماس معه ويعبر عنه بشكل أو بآخر، ولأنني تحدثت ببعض كتاباتي الأخيرة عنه وجدتني أواجه الأسئلة القديمة ذاتها حوله وإن من جيل مختلف وجديد، فلا ضير إذن من إعادة واحدة من الإجابات القديمة في تفصيلة الأدب على الأقل.

“نلاحظ الكثير من توارد بعض المفردات المتواطئة مع تلك النظرة الكلاسيكية التي كانت تدرج علاقة الابداع العربي في الخليج، ودول المغرب العربي أيضا،  تحت لافتة المركز، ذي الأسماء المتعددة،  والأطراف ذات الاسماء المتعددة بدورها أيضا، رغم  أن هذا النوع من التفكير النقدي والثقافي ذي الأحكام المسبقة لم تــعد له تلك الجاذبية التي كانت سائدة في خمسينيات وستينيات وحتى سبعينيات القرن المنصرم، نتيجة لظروف ثقافية وسياسية كانت تمر بها الخريطة العربية بشكل عام.

وإذا كان الانبهار بالحداثة العربية المنتجة في نخبويتها المركزية والذي كان المبدعون الشباب في السبعينيات والثمانينات ينتجون نصوصهم تحت وطأته الثقيلة والمبهجة والغامضة في آن قد استهلك رموزه وأبرز أصواته، فإن الجيل الراهن صار منكفئا نحو داخله الخاص، ومنغما في قضاياه التي لا يحب أن يسميها قضايا حتى لا تذوب في وهج التسميات النخبوية والجماهيرية الكبيرة التي كانت سائدة في العصور الشمولية. وهذا الجيل بهذا الانكفاء نحو الداخل، والاهتمام برؤية الكون وفقا لرؤيته الذاتية المفرطة في خصوصيتها يتماثل أيضا، وفقا لضرورة الصدفة وصدفة الضرورة، مع الجيل العربي الراهن بأكلمه، خاصة وأن لا فروق كثيرة وأساسية يمكن أن تكون بين الشباب المبدع في عاصمة خليجية أو مغاربية، أو في عاصمة عربية مما كان يطلق عليها عواصم الثقافة العربية المركزية مثل القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، مما جعل البعض، وتحت وطأة تلك النظرة التقليدية للعلاقة الموروثة بين الاثنين، يتوهم  أن ما يكتب في دول الخليج هو مجرد صدى لما يكتب في العواصم الأخرى. وهذا غير صحيح بمطلقه.

ولعل قراءة سريعة للحداثة الابداعية المنتجة في الدولة الخليجية والمغاربية أيضا تجعلنا نكتشف ذلك بسهولة. وإذا كان هناك نوعا من التشابه بين المنتج الإبداعي في القاهرة والرياض مثلا، أو بين الكويت وبيروت، فهو نوع من التشابه الذي يجب أن يتحقق بالضرورة؛ بضرورة تشابه المعطيات والمنطلقات والقضايا والمعالجات والمصادر الثقافية، أما الاختلاف الذي ينبغي أن يتحقق بين الإثنين منطقيا وبالضرورة فهو غير خاضع للاشتراطات الفنية أو النقدية العامة، بل خاضع للاعتبارات المتعلقة بظروف كل بيئة على حدة ثم بكل فرد أو مبدع على حدة.

وفي نصوص الخليجيين الشباب دليل واضح على اختلافاتهم المتحققة بالضرورة واتفاقاتهم المتحققة بالضرورة من جانب آخر، فغير صحيح أن المنتج الابداعي في الخليج يفتقد بصمته الخاصة مندغما بالبصمة العربية العامة، ولكن الصحيح كما أرى أنه يحقق بصمته الخاصة على الصعيد البيئي إن صح التعبير محتفظا بروحه العربي العام.

لـــقد روج لهذه النظرية الكثيرون، ولكنها حتى لو كانت معقولة ذات زمن بعيد نتيجة ظروف لسنا بصدد بحثها الآن، فلا ينبغي أن تظل سائدة في وقت لم يعد فيه للموقع الجغرافي أثر كبير في ظل قرية كونية تضم الجميع فما بالك بالثقافة العربية ؟!

وسنتذكر الآن، أن المثقف أو الناقد العربي خارج منطقة الخليج العربي،  لم يكن ينظر لأي نتاج شعري خليجي  بشكل حقيقي أو جدي وفي كثير من الأحيان لم يبذل جهدا للتعرف على ما يكتب هنا؛ ففي الوقت الذي كان فيه أهل الخليج منذ زمن بعيد، يتفاعلون بشكل ملح ودائم وفاعل مع كل التجارب الإبداعية العربية وعلى كل مستوياتها وعبر كل أصواتها الشهيرة أو المكرسة وغير المكرس، كان الأخوة العرب خارج هذه المنطقة بالكاد يتعرفون على أسماء شعرية خليجية كبيرة في العقود الماضية مثل فهد العسكر أو أحمد العدواني أو ابراهيم العريض أو محمد الفايز أو حسين سرحان وغيرهم كثيرون.

وإذا كان ذلك كان مقبولا أو على الأقل مفهوما إلى حد ما في الماضي ، فهو لم يعد كذلك الآن، وأنا أعتقد أن الخليجيين أنفسهم بدأوا الآن يتجاوزون تبعات هذه النظرة العربية غير العادلة لنتاجاتهم الأدبية، أعني أن النظرية كلها بطلت أو كادت نتيجة لتحولات كثيرة خضعت لها المنطقة العربية بل والعالم كله وثقافته السائدة بشكل عام”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s