هل ينجو السيسي من “انتفاضة خبز” جديدة على غرار ما حدث للسادات؟

محمد الشبراوي – إيوان 24

عام 1977، سعي الرئيس الراحل السادات لتقليص الدعم الحكومي عن بعض السلع الأساسية، وأكدت الحكومة أنها “ستخفض” الإعانات فقط ولن يصل الأمر إلى حد “إلغائها”، ومع هذا خرج المصريون للتظاهر وأحرقوا منشات عامة، ما اضطر الجيش للنزول.

ولكن الأسبوع الماضي، قال الرئيس السيسي بوضوح أنه يتحمل وحده مسئولية “القرارات الصعبة” المقبلة التي لا تقتصر علي تقليص الدعم وإنما إلغاؤه، مستندا علي ما يبدو لـ “التفويض” الذي قال أنه أخذه من المصريين للانقلاب علي الرئيس السابق محمد مرسي، وتولي الرئاسة من بعده .. فهل ينجو من انتفاضة خبز جديدة؟

خلال افتتاح مجمع صناعي في الإسكندرية الأسبوع الماضي، رسم الرئيس المصري طريقا لما سيحدث له علي يد الشعب المصري عندما يبدأ تنفيذ خطة صندوق النقد الدولي القائمة علي رفع كل الأسعار، وتعويم الجنية وبيع شركات حكومية، عاقدا مقارنة بينه وبين الرئيس السابق السادات الذي واجهته “انتفاضة خبز” كادت تعصف به.

وعلى عكس السادات الذي حاول وهو يتراجع عن رفع الأسعار لصق الأمر بوزرائه، قال السيسي إنه “لن يتردد في المضي في تطبيق الإصلاحات الضرورية”، زاعما إن “أول محاولة للإصلاح كانت سنة 77 ولما حصل عدم قبول من المواطنين كل الحكومات تحسبت من محاولات الإصلاح وخافت من ردود الأفعال”، في إشارة لأنه لا يخشي شيئا!.

ويبدو أنه يعتمد على “التفويض” الذي أعطاه له بعض مؤيديه، وقام بموجبه بقتل واعتقال وحبس معارضيه، متصورا أنه تفويض ليفعل ما يشاء ولو كان ضارا بمن دعموه، متصورا انه “تفويض علي بياض”.

حيث قال في كلمته يوم السبت الماضي إن “الأمانة التي حملني الشعب إياها تجاه مصر.. لن يحاسبني الشعب فقط عليها ولكن الله سبحانه وتعالى سيحاسبني أولا ثم التاريخ، وبالتالي كل القرارات الصعبة التي تردد كتير على مدى سنوات طويلة إنهم ياخدوها.. أنا لن أتردد ثانية في أن آخذها”.

ووجه السيسي كلامه للشعب قائلا “وأنتم هتقفوا جنبي .. ليس من أجلي ولكن من أجل مصر”، ما اثار سخرية كثيرين متوقعين أن يعصف به الشعب في انتفاضة خبز اعنف مع بدء الشعور بوطأة الخطوات الاقتصادية التي سيتخذها، خصوصا انه اعلن تحمله هو مسئولية رفع الأسعار.

ماذا حدث في يناير 1977؟

وفي يناير 1977 شهدت مصر ما سمي (انتفاضة الخبز) مع اتجاه الحكومة لاتخاذ إجراءات إصلاحية وصفتها بأنها “مؤلمة”، في إطار اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، ما أدي لفرض حالة الطوارئ ونزول الجيش للشارع وتراجع السادات عن رفع الأسعار التي كانت طفيفة بما يفعله السيسي حاليا.

ومع أن اقتصاديون وباحثون في العلوم السياسية يرون أن حالة الصمت الحالية من جانب الشعب المصري علي الارتفاع المتكرر في الأسعار وزيادة التضخم والبطالة وتدهور الأحوال المعيشية، قد تمتد ولا تشهد مصر احتجاجات غاضبة كبيرة على غرار 1977، يري أخرون أن انتفاضة خبز أعنف قادمه من الشعب ضد القرارات التي تمس معيشتهم.

ويوم انتفاضة الخبز، خرجت مظاهرات قادتها حركات طلابية ونقابات وتجمعات عمالية، ضد قرارات رفع أسعار السلع، التي أعلنها نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية وقتها، عبد المنعم القيسوني، في خطاب أمام مجلس الشعب يوم 17 يناير، ضمن خطة تقشفية للسيطرة على العجز، بالاتفاق مع صندوق النقد والبنك الدولي.

وشملت هذه القرارات رفع أسعار الخبز والسكر والشاي والأرز والبنزين وعدد كبير من السلع الأساسية.

وخلال انتفاضة يناير ردد المتظاهرون هتافات شهيرة من بينها “هما بياكلوا حمام وفراخ واحنا الجوع دوخنا وداخ”، و”هما بيلبسوا أخر موضة واحنا بنسكن عشرة في أوضة”، و”سيد مرعي ياسيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه”، و”يا سادات ليه معلش.. كيلو اللحمة بستين قرش”.

ومع ارتفاع أسعار اللحوم حاليا الي 100 جنيه لا 100 قرش، والارتفاع الهائل في أسعار السكن وانتشار البطالة بين حملة المؤهلات العليا والدكتوراه والماجستير، مقابل تولي أبناء القضاء والجيش والشرطة المناصب العليا ورفع معاشاتهم ورواتبهم 7 مرات متتالية، تبدو المقارنة بين انتفاضة خبز 1977 وما قد يحدث الان في مصر نوعا من الظلم.

واضطر الرئيس السادات للتراجع عن قرارات رفع الأسعار التي أشعلت المظاهرات في يومي 18 و19 يناير، وأدت لأحداث عنف من بينها إحراق أقسام شرطة وأبنية حكومية، ونزل الجيش لفرض الأمن ومنع المظاهرات، وأُعلنت حالة الطوارئ من السادسة مساءا وحتى السادسة صباحا.

وأطلق السادات على هذه التظاهرات “انتفاضة الحرامية”، واعتقلت الشرطة خلالها عدد كبير من المتظاهرين والناشطين اليساريين، ووجهت لهم تهمة الانضمام إلى تنظيمات شيوعية، لكن القضاء حكم ببراءتهم بعد ذلك.

هل سيناريو سقوط السيسي وراد؟

لا يوجد فارق كبير بين ما حدث من انفجار اجتماعي في وجه السادات، وما هو متوقع حدوثه من انفجار شعبي في وجه السيسي، فكلا النظامين أعطي جرعة أمل وتفاؤل ووعود ضخمة للشعب جعله يتصور انه سيعيش في رخاء.

فنظام السادات اعطي للشعب تصورات واحلام كبيرة عن “الرخاء” بعد انتصار أكتوبر 73 وتحسين العلاقات مع أمريكا والانفتاح الاقتصادي، حتى تصور كل مصري انه سيحصل علي فيلا وعربية ووظيفة تدر عليه ربحا كبيره، ففوجئ بانتشار الفاسد وتداول الثروة بين حفنه ضئيلة من المصرين وبضيق المعيشة ورفع الأسعار.

ونظام السيسي الحالي اعطي المصريين وعودا أكبر ليس فقط بأن الرخاء قادم ولكن بأن مصر ستتحول الي أوروبا بفعل تساقط الأموال على مصر، وارتفاع دخلها 100 مليار دولار من قناة السويس و100 مليار اخري من المؤتمر الاقتصادي، بخلاف الدعم الخليجي والدولي، ليفاجئ المصريون بتبخر هذه الاحلام.

ومع رفع توقعات الناس لمستوى معيشة أفضل، فوجئ الشعب بالسير في ركاب نظام مبارك السابق وسير السياسات الاقتصادية على نفس أفكار نظام مبارك التي تصب في مصلحة الأغنياء، والتصالح مع رموز مبارك وانتشار الفساد، وسيطرة امبراطورية الجيش علي الحياة الاقتصادية بعد السياسية.

وبينما المصريون لم يفيقوا من صدمة تردي الأحوال الاقتصادية بفعل أحلام القناة والمؤتمر الاقتصادي والإنجازات الوهمية، جاء قرض صندوق النقد الدولي والشروط الضخمة المرتبطة به التي سيكون المواطن البسيط هو ضحيتها، ليزيد الأمور احتقانا ويفتح الباب ليس لانتفاضة خبز وإنما ثورة شعبية دموية هذه المرة في ظل تسليح السيسي لقوات الامن حتى اسنانها واعطاءها تفويض بالقتل، وإشراك الجيش في قمع الشعب منذ انقلاب 3 يوليه 2013.

لهذا يري مراقبون وخبراء أن رهان السيسي على شعبيته في تمرير هذه القرارات أمر غير مضمون، وسوف ينعكس على ثورة شعبية ودماء في الشوارع، ولن تفلح هذه المرة محاولات تعليق الامر على شماعة الاخوان.

تفكيك الدعم

فيما امتنعت الحكومات المتعاقبة عن خفض الدعم بعد أحداث يناير 1977، وظلت قضية الدعم حساسة سياسيا في بلد يعتمد فيه عشرات الملايين على الخبز والسلع المدعمة، سعت حكومة السيسي لسياسة تفكيك الدعم عبر مشروع نقاط الخبز وحساب الدعم بالجنية الذي تتلاشي قيمته ولم يعد مبلغ الدعم يكفي لشراء نفس السلع المدعومة سابقا.

أيضا تعلمت الحكومات المتعاقبة درس انتفاضة يناير 1977، ولم تعد تقرر زيادة الأسعار مرة واحدة، أو تعلن عنه وتمرره سرا، كما أنها لم تعد تسمي هذا الإجراء “رفع” الأسعار، وإنما تحريك أو هيكلة الأسعار، أو تحسين الخدمة مقابل زيادة الأسعار، وهو ما يركز عليه السيسي ووزرائه بالحديث عن ضرورة سداد المواطن “مقابل الخدمة”، وبالمقابل ترفض رفع الرواتب.

وتقول “رباب المهدي”، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية أن سلطة السيسي لا تخشى تكرار الانفجار الاجتماعي الذي حدث عام 1977، حينما ادي ارتفاع طفيف في أسعار الخبز والوقود الي مظاهرات عارمة وتخريب منشأت استدعي تدخل الجيش.

وترجع جرأة وثقة نظام السيسي على رفع الأسعار ضمن ما يسمي “إصلاحات اقتصادية جريئة” لـ “تصورات عند السيسي منذ لحظة التفويض أن هذه لحظة دائمة، وأن الدعم الشعبي الذي يحظى به كافيا، بينما تلك اللحظة ليست مستدامة”، بحسب قولها.

وتشير لمعارضة رجال الاعمال تطبيق ضريبة المبيعات، تحت اسم ضريبة القيمة المضافة، و”عدم وجود تحالف صلب للحكم متمثل في طبقة من السياسيين ورجال الأعمال وغيرهم، يدعم تطبيق السياسات الاقتصادية القاسية المقبلة”.

وتحصر الأستاذة اليسارية الشابة مستقبل النظام المصري بين احتمالين “سيناريو انهيار النظام للداخل بمعنى أن النظام يحمل أسباب فناءه داخليا والتي ستؤدي إلى انهياره حتى لو لم يحدث انفجار، أو سيناريو انفجار النظام للخارج والثورة عليه، والذي يرتبط بمحددات مثل دور المعارضة وأشكال التنظيم وصياغة البدائل، ولو هذه العوامل غير موجودة فسيكون الانهيار للداخل هو الأقرب للحدوث”.

وينقل موقع “أصوات مصرية” عن أحمد بهاء شعبان، أحد قادة الحركة الطلابية اليسارية في السبعينات، والذي شارك في انتفاضة يناير، إنه من حيث المبدأ أحداث التاريخ لا تتكرر بنفس الطريقة لاختلاف الظروف والخلفيات السياسية والاقتصادية لكل مرحلة.

وأن أحداث 18 و19 يناير سبقها مجموعة من التراكمات لدى الشعب الذي شعر بعد تضحياته في حرب أكتوبر 1973 أنه لم يستفد من الانفتاح الاقتصادي، حيث ظهر واضحا تركز الثروة في يد مجموعة قليلة من الشعب، على حد قوله.

كما أن ظهور حركة سياسية نشطة جدا ذات طابع يساري معارض في أغلبها، ساهمت في عدد من الأحداث منها إضرابات الطلبة وعمال المصانع، كان لها دور كبير في إشعال انتفاضة يناير، بحسب ما يقول شعبان.

ويقول: “سقف التوقعات في هذه المرحلة ارتفع جدا مع الوعود السياسية بالرخاء وأن كل مواطن سيحصل على سيارة وفيلا ومياه ساخنة، والترويج بأن التقارب مع أمريكا سيعمم الخير على المواطنين، لكنهم صحوا في يوم على زيادة كبيرة في الأسعار وقرارات رفع الدعم عن السلع الأساسية وهو ما دفعهم للنزول إلى الشارع” وفقا لما قاله شعبان.

ويرى شعبان أن النظام الحالي ساهم أيضا في رفع توقعات الناس لمستوى معيشة أفضل، في الوقت الذي تسير فيه السياسات الاقتصادية على نفس أفكار نظام مبارك التي تصب في مصلحة الأغنياء، والضغط المستمر على الجماهير برفع الأسعار وتحميلها وحدها عبء الإصلاحات الاقتصادية ما يعد خطرا كبيرا.

خفض قيمة العملة مخاطرة سياسية

في فبراير الماضي، تساءل «ستيفن كوك» الباحث بـ “معهد دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا” بمجلس العلاقات الخارجية، مقال نشره بموقع “ناشيونال انترست”: “هل يمكن أن يتسبب تعويم الجنيه في انتفاضة خبز جديدة؟” ركز فيه على أن خفض قيمة العملة ينطوي على مخاطرة سياسية، وكان يتحدث حينئذ عن تعويم طفيف من جانب البنك المركزي المصري للجنية رفع السعر الرسمي بفارق جنيه ونصف تقريبا ووصل في السوق السوداء حينئذ الي 9 جنيهات.

الان وصل سعر السوق السوداء لقرابة 13 جنيه، قبل أن تبدأ الحكومة المصرية – مجبره – التعويم الأكبر للجنية في تاريخه – بموجب اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، الذي يعني ارتفاع كبير في السلع ورفع أسعار الوقود وبيع شركات حكومية.

ولكن هذه المرة يعلن السيسي انه لا يخشى “انتفاضة خبز” ويقول: “كل القرارات الصعبة التي تردد كتير على مدى سنوات طويلة إنهم ياخدوها .. أنا لن أتردد ثانية في أن آخذها”!.

الناشط السياسي حازم عبد العظيم، العضو السابق المنشق عن حملة السيسي الانتخابية يقول أن “السيسي بالفعل سيمضي في كافة ما اسماه الإصلاحات الاقتصادية ليس ثقة في الشعب ولكن هو على يقين أن البلد ممسوكة بيد من حديد من قبل الأجهزة البوليسية”.

وقال عبد العظيم في تصريح لموقع “مصر العربية” أن: “السيسي في قناعته الداخلية يعلم أن القرارات لن تلاقي ترحيبا من الشعب بل يرفض معظم ما يقوم به، لكن ماذا يفعل الشعب وكل من يفكر في الاعتراض يتم حبسة والزج به في السجون؟”.

ولكن مدحت الزاهد، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي (اليساري) يري: “إن السيسي لا يملك التقدير السياسي للقرات الاقتصادية التي يمضي في اتخاذها، لذلك لا يخشى انتفاضة على غرار انتفاضة الخبز 77، بينما كل متابعي الشأن المصري يدركون تماما أن مثل هذه القرارات لن تمر مرور الكرام”.

ويقول: ليس بالضرورة سيأخذ الاحتجاج القادم نفس الاتجاه فكل احتجاج له سياقه ومفرداته، فالوقت والواقع مختلفا تماما عما كنا عليه في انتفاضة الخبز، ففي 77 كان هناك انفتاحا بالفعل وكنا أكثر ديمقراطية والمجال العام السياسي منفتح على عكس ما نمر به الآن”.

وتابع “يبدو أنه في تقدير الرئيس السيسي أن الحلول الأمنية كفيلة باحتواء الموقف، وتحجيم ردود الفعل، وهو ما لا اتفق معه.

فهل سينجو السيسي بالفعل من ثورة خبز مقبله يؤكدها الجميع؟ وهل يشفع له “التفويض” الذي قال انه حصل عليه في يوليه 2013؟ أم يتخلى عنه من فوضوه بعدما طالتهم نيران الأسعار؟

وتتجه الحكومة المصرية لحزمة إجراءات اقتصادية من شأنها خفض الدعم، ففي تصريحات صحفية قال عمر الجارحي وزير المالي “إن الحكومة ستخفض دعم المواد البترولية في موازنة 2016-2017 إلى 35 مليار جنيه، مقابل نحو 61 مليار جنيه في السنة المالية الحالية 2015-2016″، كما رفعت وزارة الكهرباء أسعارها ما بين 27 و46%.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s