الانقلابات والديموقراطيات الوليدة: الجيش وفشل توطيد الديموقراطية الناشئة في مصر

مقدمة

يوم 3 يوليو 2013، أزاح انقلاب عسكري أول رئيس منتخب ديموقراطياً في مصر، محمد مرسي، عن السلطة، وعلّق الدستور. في أعقاب الإطاحة بمرسي، عين الجيش رئيس المحكمة العليا القاضي عدلي منصور كرئيس المؤقت، لكن صنع القرار الفعلي بقي في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة (SCAF).

في نهاية أي نظامٍ كان فيه للجيش أهمية سياسية، فإن السؤال الحاسم هو ما إذا كان القادة المدنيون الجدد سيكونون قادرين على كبح جماح القوات المسلحة. غييرمو أودونيل «Guillermo O’Donnell» قال: «المشكلة الرئيسية في تعزيز الديموقراطية هي أن تمنع انقلاباً عسكرياً ناجحاً»1. فشلت مصر في الاختبار، وانقلابُ تموز يبشر ببدء نظام استبدادي بجاهزية كبرى لاستخدام العنف ضد الخصوم السياسيين 2.

لماذا تحدث الانقلابات في بعض الديموقراطيات الوليدة، ولا تحدث في أخرى؟ أنا أحقق في هذا السؤال لفهم فشل تعزيز/نجاح الديموقراطية في مصر. زعمت الدراسة المبكرة حول التحول الديموقراطي بأن المراجعة العسكرية للتحوّل تشكل مشكلة «السيف المسلط» دائم الحضور على الديموقراطيات الوليدة. لاحظ ألفريد ستيبان 3 أن الجيوش في أوضاع ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في كثير من الأحيان تمثل بديلاً مهدداً للديموقراطية، الأمر الذي يجعل من استراتيجية ديموقراطية نحو القوات المسلحة «شرطاً ضرورياً لحركات إعادة الدمقرطة»4. حذرَ أودونيل وشميتر 5 أن الأحزاب الممثلة لمصالح القوات المسلحة، والتي هُمّشَت في أول انتخاباتٍ بعد المرحلة الانتقالية، «من المرجح أن تتخلى عن العملية الانتخابية لصالح مؤامرة ضد الديموقراطية وزعزعة الاستقرار»6.

كانت الإطاحة بمحمد مرسي تذكيراً صارخاً بتنبؤات/تبصرات تلك التحذيرات. وفي الواقع، فإن فشل إصلاح العلاقات المدنية العسكرية في تهيئة ما بعد المرحلة الانتقالية ليس فريداً أو حالة خاصة من نوعها لمصر. في كل من عامي 1964 و1985 أدت التحركات الشعبية في السودان لانهيار الحكم العسكري. ومع ذلك، فإن الجنرالات عادوا للسلطة في عام 1969 وفي عام 1989. أيضاً أحبطت انتفاضة مدنية المجلس العسكري التايلاندي في 1973؛ لكن انقلاباً وقع في تايلاند بعد ثلاث سنوات في 1976. يغذي انهيار المستبدين طموحَ جميع الأطراف السياسية الفاعلة لإعادة التفاوض بشأن العلاقات المدنية-العسكرية نحو تكوينات جديدة أكثر قابلية لتأسيس سلطة مدنية. في بعض الحالات، يكون الاندفاع تحت السيطرة. وفي حالات أخرى، إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية ينتهي بالفشل، أو ما هو أسوأ من ذلك، يتجنب المسؤولون المدنيون الضعفاء المحاولة.

بعد فترة وجيزة من التراجع الامتعاضي إلى الثكنات، فإن الضباط يرتبون لإحياء الوضع البائد كما كان. العلاقات المدنية-العسكرية تعود لمكانها وتفشل عملية ترسيخ الديموقراطية. ما الذي يفسر الاختلاف؟

يُؤسس جوابي على تمييز فاينر 7 الكلاسيكي بين دوافع الضباط للتدخل في السياسة والفرص المتاحة لهم للقيام بذلك8.

يعارض الضباط الأوامر ما بعد التسلطية/الاستبدادية لاعتبارات فكرية، أو المظلومية مهنيّة المنشأ، أو لكليهما. ومع ذلك، فإن إرادة الضباط معاكسة الديموقراطية لا تعني بالضرورة القدرة على القيام بذلك. إن اتفقت الأحزاب الكبرى في الديموقراطيات الناشئة على إبقاء الجيش خارج السياسة العملية، فمن المرجح أن تظل النزعات الرجعية داخل سلك الضباط تحت السيطرة. والعكس صحيح أيضاً: يزيد الاستقطاب من مخاطر تجدد تدخل الجيش عندما يدعو الخاسرون في العملية الانتخابية القواتَ المسلحة للعودة إلى المشهد السياسي والتدخل ضد منافسين مدنيين.

يركز توجهي على أربعة متغيرات مترابطة: أخلاق الجيش ومصالحه المهنية؛ وتصور أو تفهم الجيش الجديد للنخبة الحاكمة المدنية؛ وعلاقة القوة المتبادلة بين الجيش والحكومة الديموقراطية المؤسسة من حيث قدرة هذه الأخيرة على حشد الحلفاء في النظام السياسي العام.

يبقى شبح الانقلابات قائماً في حالة معرفة الجيش بأن مصالحه المؤسسية الأساسية ستكون مهددة في أعقاب الانتقال الديموقراطي، أو في حالة معارضة الضباط لإيديولوجيا النخبة الحاكمة الجديدة، ولكون التنافس بين الأحزاب السياسية يصبح عائقاً لهم من رص الصفوف ضد التحريفية المناهضة للديموقراطية.

هذا هو الحال خصوصاً عندما تُبنى الثقافة التنظيمية للقوات المسلحة على الأخلاق المسيانية المناصرة للجيش كخزان نهائي وضامن في نهاية المطاف للمصالح الوطنية. والعكس صحيح أيضاً: عندما لا ينظر الجيش إلى النخبة الجديدة كخصم إيديولوجي، ويتوافق المدنيون على معارضة التدخل العسكري، فإن القوات المسلحة تكون أكثر ميلاً لقبول النظام الديموقراطي الناشئ. لقد كانت الظروف مواتية بشكل خاص لبناء السيطرة المدنية على القوات المسلحة فيما إذا تخلى الجيش عن تصورات ذاتية خلاصية متعارضة مع الحكم المدني.

مساهمة هذه المقالة هي ذات شقين: الأول، دراسة مركبة وغنية حول الانقلابات، ولكنها تهمل البعد الثقافي للسياسة العسكرية9. بينتُ تجريبياً، أهمية العوامل الإيديولوجية في هيكلة الضباط في سياقات ما بعد المرحلة الانتقالية. ثانياً، يميل الدارسون إلى وضع الثقافة والمصالح المهنية، والبنية كتفسيرات بديلة.

على النقيض من ذلك، أزعم أن تلك المقاربات ليست متبدلة الحصرية أو لا متبادلة الاستبعاد. في مجلد مهم بارز حول السياسة العسكرية في أمريكا اللاتينية، يزعم ديفيد بيون-برلين10 أنه قد يكون هناك تعاون مفيد بالجمع بين نظريات مختلفة حول العلاقات المدنية-العسكرية، لأن «ضعف أحدهما يشير إلى قوة الآخر»11. تستند هذه المقالة على فرضية مماثلة.

إرادة التدخل: المصالح/الاعتبارات والثقافة

النظريات المصلحية/الكوربوراتية/الاجتماعية/الاعتبارية هي تفسير شائع للتدخلات العسكرية. يزعم الدارسون العاملون وفق التقليد الكوربوراتي/الاعتباري بأن كل المنظمات البيروقراطية تبحث عن الموارد والاستقلالية والسلطة. الجيش ليس استثناءً. إن هدد المدنيون المصالح الكوربوراتية/المهنية للجيش، فقد يترجم الضباط استيائهم إلى انقلابات. إن دراسة وليام طومسون 12الكلاسيكية حول مظالم الانقلابيين تصنف الامتيازات التي يتمتع بها الضباط إلى فئتين كبيرتين، المناصبية (أي الاستقلالية والتسلسل الهرمي والاحتكار والتماسك والشرف والمناصب السياسية)، والموارد (أي المدفوعات والترقيات، ومخصصات الميزانية، والسياسة العسكرية)13.

يعرّف طومسون الانقلاب العسكري بأنه «حرب داخلية على نطاق صغير على المراكز والموارد»14. ويزعم نورلدينغر 15، على المنوال نفسه أن «الدفاع أو تعزيز المصالح العسكرية المهنية المشتركة هو ببساطة الدافع الأكثر أهمية للتدخلية»16.

في سياق ما بعد المرحلة الانتقالية، من شأن النظريات الكوربوراتية أن تقودنا لأن نتوقع بأن الحكومات الديموقراطية المؤسسة التي تعتني أو تهتم بالمصلحة المهنية/الكوربوراتية للقوات المسلحة هي أقل عرضة لمواجهة خطر التدخل العسكري، والذين يفشلون بالاهتمام بتلك المصالح قد يكونون أكثر عرضة للانقلاب.

إن قوة المقاربات الكوربوراتية/المهنية باعتبارها إطاراً تفسيرياً هي واضحة. المظالم المهنية والمصالح قضية واضحة، كما بينت سابقاً عشرات الدراسات المتعمقة حول التدخل العسكري. إن ضعفَ الجدل/الخصام الكوربوراتي واضح، ولكن الشكاوى أكثر تواتراً من الانقلابات بين سلك الضابط. تعاني عدة جيوش من إهمال مدني حقيقي أو محسوس، ومع ذلك يحجم قادتها عن الاستيلاء على السلطة 17.

على النقيض من ذلك، توغلت بعض الجيوش في العمل السياسي على الرغم من أن مصالحها المهنية/الكوربوراتية مدعومة من قبل القوى المهيمنة.

لا يمكن لنظرية المصلحة المهنية أن تفسر لماذا تظل كذلك العديد من الجيوش هادئة على الرغم من مظالمها، أو لماذا يتدخل البعض الآخر حتى عندما لا تكون مصالحهم مهددة.

وعلى النقيض من ثبات وجهة النظر المهنية/الكوربوراتية، تنافس الحجج الثقافية بأن الضباط يمتثلون للحكومات المنتخبة حديثاً بعيداً عن الاعتبارات الإيديولوجية. إن الفكرة الرئيسية لكل الدراسات الذاتوية حول الجيش هي نفسها متشابهة: الأفكار العسكرية والمعرفة التقليدية والمسألة الإيديولوجية وبالتالي، فإن دراسة سلوك الضباط أمر بالغ الأهمية لفهم مواقفهم في العمل السياسي.

إن تجربة الحكم العسكري يمكن أن تغرس في الذهن أفضلية معيارية قوية لحكومة مدنية داخل القوات المسلحة، بحيث يستنتج الضباط بأنهم ليسوا مناسبين للتعامل مع الشؤون السياسية والاقتصادية. يمكن للإدانات الديموقراطية أن تنمو داخل سلك الضباط في ظل الاستبداد وقبل المرحلة الانتقالية.

إن ترافق انهيار الاستبداد بتغيير معياري لصالح الحكم المدني، فإن الامتيازات المهنية العسكرية/للجيش التي كانت قبل الانتقال يمكن أن تُخفض دون تعرض النظام الديموقراطي الناشئ للخطر. يُقال، إن الانهيار المجرد للحكم العسكري لا يؤدي بالضرورة لإعادة النظر في الدور-المعتقدات؛ وإن الضباط يمكن أن يفقدوا السلطة ويظلون مقتنعين بأنها سلطتهم التي سيستعيدونها عندما تنعطف/تستدير/تميل علاقة القوة ضد المدنيين.

إن استمرت معايير التدخليين بعد الانتقال، فإن شبح الانقلابات يظل قائماً، بصرف النظر عما إن كانت الحكومات الديموقراطية المؤسسة تحمي المصالح المهنية/الكوربوراتية للقوات المسلحة أم لا. إن خطر التدخل العسكري حاد، خصوصاً عندما يتحيز/يسهل الانفتاح الديموقراطي الثروات السياسية للأعداء الإيديولوجيين للقوات المسلحة، منظوراً إليه على أنه غير موالٍ للأمة التي قد أقسم الجيش على حمايتها، والانقلاب العسكري 1976 في تايلاند هو مثال توضيحي18

القدرة أو عدم القدرة على التدخّل: البنية/التركيبة

إذاً، على الرغم من التنافس السياسي، تتفق الأحزاب في الديموقراطيات الوليدة على معارضة التدخل العسكري، فعزل القوات المسلحة يجعل الانقلابات غير ممكنة، بالرغم من أن الضباط قد يكونون غير راضين عن وضعهم بعد الانتقال، أو معارضين إيديولوجياً للنخبة الحاكمة الجديدة.

تشيلي في السنوات التي أعقبت انتهاء حكم بينوشيه هي مثال على ذلك. لقد بقي بينوشيه القائد العام للقوات المسلحة بعد تخليه عن الرئاسة ولجوئه إلى قعقعة السلاح تحت إدارة باتريسيو ألوين19.

ومع ذلك، فإن بنية السياسية الداخلية في تشيلي قد أصبحت غير ملائمة للتدخل العسكري لسببين: الحكومة الديموقراطية المؤسسة التي ضمت الحزب الديموقراطي المسيحي (في الوسط)، والحزب الاشتراكي وحزب الديموقراطية (يسار)، وهذا يعني تقريباً أن الطيف الكامل المعارض للدكتاتورية وافق على التعاون لاستعادة الحكم الديموقراطي. لم تكن تكتيكات فرق تسد خياراً يمكن أن يستخدمه الجيش كي يلعب دور تفرقة/شق فصيل من المعارضة القديمة ضد آخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن وسطية إدارة ألوين سهلت التعاون مع الأحزاب اليمينية.

لقد أصبحت هذه الأخيرة غير راغبة في دعم انقلابٍ آخر، على الرغم من كونها الحليف السياسي التقليدي للجيش20. استمر اليسار والوسط واليمين في تشيلي بالاختلاف حول العديد من القضايا الهامة، بما في ذلك العلاقات المدنية-العسكرية. ورغم ذلك، ظهرت حالة إجماع عابرة للأحزاب المعارضة للتحريفية العسكرية. استوعب المسؤولون الكبار بأن أي انقلاب آخر سيكون حالة تدمير؛ لقد أصبح الانقلاب غير عمليّ سياسياً وغير ممكن.

العلاقة بين التفرد/الحصرية والخلافات العقائدية تعلل استقطاب السياسة الحاد في ترتيبات ما بعد المرحلة الانتقالية. إن التأثيرات المبهجة للانفتاح السياسي على القوى المقموعة يمكن أن تعزز الجشع. فبدلاً من بناء التحالفات، اكتسحت الأحزاب الشعبية مركز القيادة وطردت تشكيلات معارضة صديقة من السلطة. بعدئذ انتقمت الأحزاب الثانوية بأن تحولت لأحزاب غادرة تخلت عن العملية الديموقراطية كاملة. تتغذى الإقصائية عادة على عدم توافق إيديولوجي محسوس. عندما تُشكَل النظرة المستقبلية كرؤى متنافرة ومتضاربة جوهرياً، فإن تقاسم السلطة يصبح غير ممكن. في حلبة مستقطبة سياسياً، يتهم حزب الأغلبية المعارضة بالتخطيط لإسقاط السلطة بوسائل غير ديموقراطية. كما أن المعارضة تتصور بأن وجودها بالذات مهدد حيث يعزز الموالون السلطة. في حالة قيام الاستقطاب بتعطيل النظام الديموقراطي الناشئ، فإن موقف الجيش في علاقة القوة مع المدنيين سيصبح أقوى. بغياب روح عسكرية غير تدخلية، يمكن للاستقطاب أن يدفع الضباط خارج ثكناتهم مرة أخرى، كما يوضح التاريخ المعاصر لكل من السودان وباكستان.

إن خطر الانقلاب عالٍ، وخصوصاً عندما يتمكن الجيش من الاعتماد على دعم بيروقراطية الدولة. ومسألة أنَّ للمؤسسات أهمية في ظل الحكم الاستبدادي، لهي فرضية تم ترسيخها في الأدبيات السياسية/أو ورقة البحث21. يتمتع القضاء بأهمية خاصة لأنه يمكنه معاقبة أو تقييد مؤسسات الدولة، وبعبارة أخرى، يمكن للقضاء توطيد سلطة الحكام المستبدين، أو تحديها22.

الانقلاب هو بالتعريف مشروع أو مغامرة غير شرعية، ولكن قضاءً تعاونياً ومتضافراً يمكن أن يضفي هالة من الشرعية على الاستيلاء على السلطة.

والأكثر أهمية من ذلك، على الأرجح، هو أن تواطؤ النظام القضائي أمرٌ ضروريٌ للقيام بالقمع السياسي المكثف الذي عادة ما يتبع الإطاحة بالأنظمة الديموقراطية الوليدة. القضاء الإسباني تحت فرانكو 23 من الأمثلة على ذلك: أدان القضاء الفرانكوي (نسبة لفرانكو) آلاف المعارضين السياسيين بالموت، وعرقل محاولات مكافحة ووقف التعذيب، وتعاون بشكل وثيق مع البوليس السياسي للنظام، وعمل بشكل عام كأداة للسيطرة الاجتماعية والسياسية لفرض إيديولوجية الدولة على الناس24. وبهذا المعنى، فإن القضاء الإسباني كان دعامة لنظام فرانكو، كما الجيش والحزب الحاكم.

ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أيضاً أن القضاء في مصر لعب دوراً مباشراً في ظهور وترسيخ الحكم العسكري في أعقاب انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 1952: بعد أيام من الانقلاب، قرر مجلس الدولة ألا يُستدعى البرلمان، وفي وقت لاحق، أضاف أمراً دستورياً بأن يرأس الضباط الحكومة المدنية. في الوقت الذي كانت فيه مصر تتمتع بتجربة ديموقراطية غير متمرسة حيث أسقطها الجيش، بالتعاون مع القضاء25. وتكثر الأمثلة الأخرى عن التواطؤ بين السلطة القضائية وضباط الانقلاب. البنية السياسية، تُشكل بالمكتب المشترك من الأحزاب في النظام السياسي، والجيش وبيروقراطية الدولة، وتحديداً المحاكم.

بإضافة أبعاد البنية السياسية الداخلية إلى المسائل المدروسة، كون الضباط لا يشتغلون في فراغ، فإنه من الصواب أن نحذر من الاعتماد المفرط على المصالح المهنية/الكوربوراتية ودور المعتقدات على حساب الظروف السياسية المحيطة بالجيش. ولا بد من القول، إنه في مرحلة ما بعد الانتقال، حيث هناك سياسات شديدة الاستقطاب ومنتشرة عالمياً أكثر من وجود انقلابات سياسية؛ ستكون حكومات ديموقراطية ضعيفة ناشئة مرتبطة بالتدخليين، وكذلك بالجيوش الهامدة.

وفي حين أنه لا يمكن للبنية أن تُفسر هذا الوضع الشاذ بوضوح وكفاية، يمكن للمعايير الثقافية المساعدة في إلقاء الضوء عليه. إن الضباط الذين ينظرون للمدنيين على أنهم غير موالين وغير كفؤوين أو كليهما، ويصدقون أنفسهم بأن الكلمة الأخيرة في السياسة القومية لهم، من المرجح أن يشعلوا الانقلابات، حتى عندما لا يهانون من قبل من هم في السلطة. على النقيض من ذلك، من المرجح أن تمتنع الجيوش المتشربة لمعايير عدم التدخل عن التحضير للانقلابات، بالرغم من أن السلطات المدنية قد تكون ضعيفة أو أن سلك ضابط غير راضٍ ومستاء. وبعبارة أخرى، لا يتفاعل الضباط مع البنية مثل تفاحة سقطت بدافع من الجاذبية. وبدلاً من ذلك، فإنهم يعطون معنىً للظروف البنيوية من خلال الإدراك والفهم الإيديولوجي.

مخطط البحث

تستند هذه الدراسة على سلسلة من المقابلات المتعمقة مع 17 جنرالاً متقاعداً: 10 من الجيش الميداني الثاني، و7 من الجيش الميداني الثالث، أُجريت في القاهرة خلال فصل الشتاء من عام 2014 لدراسة تصورات الضباط الذاتية26. اتبعتُ في كل لقاءاتي مع من قابلتهم نسقاً شبه منظم، مفتوح وغير محدد، واستمر اللقاء بين 2-5 ساعات لكل منهم. وبالإضافة إلى ذلك، طلبتُ منهم الرد على سلسلة من الأسئلة المغلقة، والنتائج مبينة في الجدولين 1 و2.

سبرت الأسئلة فهم وتصور الضباط لدور الجيش في الحياة السياسية المصرية، ومواقفهم تجاه جماعة الأخوان المسلمين والأحزاب المدنية بشكل عام، فضلاً عن تصورهم للعلاقة المثالية بين الرئاسة المصرية والمؤسسة العسكرية. وعلى وجه الخصوص، حاولت انتزاع تفسيرات الضباط لانقلاب 2013 الذي أنهى التجربة القصيرة في مصر للحكم المدني والديموقراطية.

تعاني عينتي من وجود قيود مزدوجة. أولاً، إن مقابلة 17 جنرالاً متقاعداً على مدى عدة ساعات من النقاش هي بداية، وحجم العينة غير كافٍ لتقديم طلبات واستفسارات محددة بشأن الضباط المصريين. ثانياً، بالرغم من قصارى جهدي، فقد كان من المستحيل بالنسبة لي مقابلة ضباط عاملين، أي بالخدمة الفعلية.

لم يكن التحقيق بشأن الجيش المصري سهلاً أبداً، بل أصبح أكثر صعوبة في أعقاب انقلاب 2013؛ هذا ينطبق بشكل خاص على ذوي التدريب الأمريكي بسبب الشعور السائد في الجيش المصري بأن الولايات المتحدة تقف «مع الأخوان، ضد مصر» خلال أزمة عام 2013، كما أخبرني عدة ضباط. اكتشافاتي أو حيثياتي، في الوقت الحالي، مؤقتة وغير نهائية، وسوف تظل كذلك حتى يُجرى تحقيقٌ معمقٌ حول معتقدات وآراء الضباط المصريين ونظرتهم المستقبلية.

العلاقات العسكرية المدنية في مصر 2011 ما بعد الاستبداد

بعد سقوط حسني مبارك من السلطة في عام 2011، سعت النخبة العسكرية لتكريس ثلاثة امتيازات مهنية في الدستور المصري. الأول، رغبة كبار ضباط الجيش أن يضمنوا استقلال الجيش عن وكالات الرقابة المدنية؛ ورفض الجنرالات الرقابة البرلمانية على القطاع الاقتصادي الذي يديره الجيش وعلى الميزانية العسكرية. لن يقبل الجنرالات تعيين مدني وزيراً للدفاع. ثانياً، سعى الجيش لإقامة مجلس الدفاع الوطني، مع صلاحيات واسعة بشأن المسائل المتعلقة بالأمن القومي، وبالتوافق مع كبار القادة. ثالثاً، يهدف الجنرالات الى تدعيم سلطة القوات المسلحة بمحاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية.

تلك المطالب كانت حاضرة بشكلٍ أو بآخر في جميع المحاولات المختلفة لهندسة دستورية خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت انهيار نظام مبارك في فبراير 2011، التي سبقت انتخاب محمد مرسي في يونيو عام 2012، عندما كان للمجلس العسكري السيطرة المباشرة على مصر27، وقد تم تأييدها في دستور ك1 2012 في عهد مرسي28.

في الواقع، هذا يعني أن الأخوان لم يكونوا ذاهبين نحو تفكيك الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري، ولا ملاحقة أي ضابط بسبب الفساد أو التعدي على حقوق الإنسان. وكان على الضباط أن يبقوا فوق الدولة وتحت الأخوان، مثلما كانوا في عهد مبارك. وبعد تقديم تنازلات لكبار الضباط، تأمل الأخوان في أن تبقى النخبة العسكرية من الآن فصاعداً محايدة سياسياً كونهم قد قبلوا بدور «مهني» في نظام سياسي برئاسة مدنيين29.

ولكن المقابلات التي أجريتها مع الجنرالات تشير إلى أنه حتى بعد التصويت على الدستور الذي كرس مطالبهم الأساسية، بقيت النخبة العسكرية ترفض الأخوان لثلاثة أسباب: أولاً، لم يكن الجنرالات متوافقين مع تمدين الرئاسة المصرية؛ ثانياً، رفض الجنرالات قبول الأخوان كلاعب شرعي في النظام السياسي. والثالث، قلق الجنرالات من سعي الأخوان لاختراق استقلالية الضباط، والتغلغل في الجيش.

الثقافة التنظيمية: التصورات في الثكنات

لاحظ عمر عاشور مؤخراً أن العوامل النفسية المشكلة لصانعي القرار في الجيش المصري هي الأقل درساً والأصعب بحثاً30. وهذا صحيح، على الرغم من أن البعد الإيديولوجي للسياسة العسكرية لم يكن مهملاً تماماً في الدراسة حول القوات المسلحة المصرية31.

أمرٌ واحدٌ نعرفه بهذا الصدد: عدم توافق الأحزاب والسياسيين هو متأصل بعمق في سلك الضابط المصريين. فالضباط الأحرار، الذين أسس انقلابهم في 1952 الجمهورية المصرية، كانوا معادين للأحزاب السياسية كعدائهم للنظام الملكي ذاته. حظرُ جميع التشكيلات السياسية كان واحداً من قرارات الضباط الأحرار بعد أن استولوا على السلطة. محمد نجيب، الرئيس الأول في مصر، أعرب صراحة عن رغبته عام 1953 في رؤية بلاده «حرة وخالية من الأحزاب»32.

جمال عبد الناصر، رئيس مصر من عام 1956 حتى عام 1970 أشار مراراً وتكراراً إلى الأحزاب على أنها فاسدة، وخاضعة للتأثير الأجنبي، ومسببة للخلاف، وتركزُ بشكل صارم على مكاسب ضيقة33. تعكسُ مواقفُ الضباط اليوم الشعور بالمرض القديم: طلب منهم تقييم التشكيلات النشطة على الساحة السياسية بعد سقوط مبارك، حيث زعمَ ضابطٌ كبير متقاعد بأن «كل النخب والأحزاب والجماعات الثورية تعمل حصراً لمصالحها الضيقة الخاصة»34. لا يبالغُ عاشور عندما يكتب أن الجنرالات المصريين لديهم «عقدة استعلاء وترفع» تجاه المواطنين المدنيين35.

الجدول 2 : تصور كبار الضباط عن دور الجيش في الحياة السياسية المصرية، مصر، شتاء 2014

هذه التصورات والتصورات الذاتية عينت الخلفية الفكرية/الإيديولوجية للتفاعل بين النخبة العسكرية ومحمد مرسي طوال سنة رئاسته للبلاد. كما هو موضح سابقاً، كان الجنرالات على قناعة بأن هوية الأخوان وبرنامجهم وولاءهم يتجاوز حدود مصر الوطن/البلد.

ونتيجة لذلك، كانوا متخوفين بشكل خاص إزاء تعامل الأخوان مع السياسة الخارجية المصرية. وكانت المسائل المتعلقة بالأمن القومي سبباً في التوتر الدائم بين مرسي والجنرالات. العلاقة مع حماس التي تدير قطاع غزة في أعقاب حادث رفح أغسطس 2012، والذي قُتل خلاله 16 جندياً مصرياً، هي مثالٌ واضح39. كانت القوات المسلحة مصرة على إغلاق أنفاق التهريب تحت الأرضية التي تربط غزة مع الأراضي المصرية من أجل الحدّ من تسلل العناصر المسلحة إلى مصر. في المقابل، ردَّ الأخوان إن تدمير الأنفاق من شأنه أن يزيد من عزلة غزة ومعاناة السكان الفلسطينيين الذين يعيشون هناك. يتهم الجيش الأخوان بتقويض الأمن القومي المصري بسبب التضامن الإيديولوجي والتنظيمي مع الأخوان التابعين لحركة حماس40.

لم يوافق مرسي على تدمير العديد من الأنفاق، كما ضغط على حماس من أجل بذل المزيد من الجهد لمنع نقل الأسلحة والمسلحين من سيناء، ولكن عدم ثقة الجنرالات استمر41. في السياق نفسه، نظر الجيش بارتياب لعزوف مرسي عن إعلان نتائج التحقيقات المتعلقة بحادث رفح. عممت المزاعم على نطاق واسع داخل القوات المسلحة حول تورط عناصر جهادية من غزة في الهجوم على الجنود المصريين في رفح، ومحاولة مرسي للتغطية على الحقائق من أجل حماية حماس42.

ربما كانت الأزمة الأكبر المتعلقة بالسياسة الخارجية، على أي حال، نابعةً من قرار مرسي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. في خطاب ألقاه يوم 18 يونيو 2013، أدان مرسي السلطات السورية لقمعها المتظاهرين المدنيين، وظهر ليدعم الدعوة إلى الجهاد ضد نظام بشار الأسد في دمشق.

في الثمانينات والتسعينات، شارك عشرات المصريين في الحروب الأفغانية ضد السوفييت. عادوا إلى ديارهم بأفكار متطرفة ومهارات عسكرية، وتحول بعضٌ منهم إلى العمل ضد القوات المسلحة المصرية والشرطة. قلقت النخبة العسكرية من أن هذا السيناريو يمكن أن يتكرر على نطاق أوسع، ويمكن أن يشجع المصريين للمشاركة في الحرب الأهلية في سوريا. وبالتالي، فإنهم غضبوا من دعم مرسي للجهاد في سوريا، والتي يشار إليها على أنها «نقطة تحول» في علاقتهم مع الرئاسة43.

عبّرَ جنرالٌ متقاعد عن هذا الإحباط في مقابلة مع مجموعة الأزمات الدولية: «هذا الولد (مرسي) فقد عقله، وقال إنه يعتقد أنه يمكن تدمير علاقاتنا مع سورية وإعلان الجهاد ضدها، فهو يهدد أثيوبيا بالحرب ويحيط نفسه بالمتشددين الذين خطفوا وقتلوا جنودنا في سيناء. هذه مصر. لا يمكن أن نُحكَم من قبل غرٍّ جاهل»44.

الخيط الرابط لتلك الأزمات مع غيرها من الأزمات المتشابهة، هو اقتناع النخبة العسكرية بأن أجندة الأخوان ووجهة نظرهم تهددان الأمن القومي والمصالح المصرية. القوات المسلحة المصرية ليست علمانية مثل الجيش التركي. الكتب والتقارير والدراسات المكتوبة من قبل معلمين يدرسون في الأكاديمية العسكرية المصرية كثيراً ما تزينها الآيات القرآنية على أغلفتها45.

مجلة النصر، وهي مجلة القوات المسلحة، تبرز أحياناً مقالات عن المعارك الظافرة لمحمد، وتحض الجنود المصريين إلى الاقتداء بالنبي وصحابته المقربين46. المشير السيسي نفسه قد ثقف نفسه بعنايةٍ كمسلمٍ ورع، وترتدي زوجته الحجاب الإسلامي47.

ومع ذلك، لا شيء في مراعاة واحترام السيسي العمومي يتخطى ثقافة التدين والمحافظة التي تُعتبر الأوسع انتشاراً في المجتمع المصري48. وينطبق الشيء ذاته على النخبة العسكرية المصرية بشكل عام، ليست «تقوى» الأخوان هي ما يستعدي الضباط. وبدلاً من ذلك، إنها وجهة نظر الأخوان الإسلامية الدائمة، والتي تتنافى مع الإيديولوجية القومية للضباط والمتمركزة حول مصر. أدى هذا التنافر الإيديولوجي لأزمات متكررة في السياسة الخارجية واتهامات مزمنة على نطاق واسع في الدوائر العسكرية، بأن مرسي والأخوان يهددون الأمن والمصالح المصرية.

المصالح المهنية/الكوربوراتية: الدفاع عن استقلالية الضباط

لقد لاحظ دارسو العلاقات المدنية-العسكرية مرات عديدة بأن الحفاظ على التسلسل الهرمي الداخلي وعلى الانضباط، هما الهدف الأسمى للضباط49. تكتسي حماية تلاحم الضباط أهمية خاصة لأنها العمود الفقري لمؤسسة الجيش؛ كذلك في هذا الصدد، التوافق والتجانس الإيديولوجيان ضروريان، لإبقاء القوات المسلحة متحدة. ونتيجة لذلك، فإن حظر تسلل عناصر مسيسة إلى سلك الضباط، وخاصة المتعاطفين مع الجماعات التخريبية، هو الشاغل الدائم للنخبة العسكرية.

وهذا صحيح بشكل خاص للقوات المسلحة ذات التاريخ بالتدخل السياسي. في مصر، شبح قيام الأخوان المسلمين باختراق الضباط كان سبباً دائماً لقلق الأنظمة المتعاقبة منذ الأربعينات. فمعظم قادة الضباط الأحرار الذين استولوا على السلطة في عام 1952 من وقتٍ لآخر في بداية حياتهم المهنية كانوا أعضاء أو متعاطفين مع الأخوان المسلمين، بما في ذلك جمال عبد الناصر نفسه50.

ولقد رأى/أدرك قادة الضباط الأحرار بشكل مباشر جاذبية/مناشدة إيديولوجية الأخوان لاحتضان الضباط المصريين، وعملوا بجد، بعد عام 1952، لتطهير الجيش من المتعاطفين مع الأخوان، وللحفاظ على مؤيدين إضافيين من الأخوان دون دخولهم في السلك.

إن اغتيال خليفة عبد الناصر، أنور السادات على يد عناصر إسلامية من ضمن المؤسسة العسكرية كان تذكيراً مريراً بالثمن الذي يجب أن يُدفع نتيجة اختراق العناصر المتطرفة للقوات المسلحة. إنه تقليد ثابت في القوات المسلحة أنه يتم عرض كل مرشح للأكاديمية العسكرية على الاستخبارات العسكرية خشية الانتماء إلى الأخوان. وإذا كان المرشح أو أي من أفراد أسرته، يرتبط حتى عن بعد مع الأخوان، يُستبعد على الفور بشكل لا رجعة فيه.

إن إغلاق أبواب الأكاديمية العسكرية بوجه المتعاطفين مع الأخوان المسلميمن هو «عقيدة» في المؤسسة العسكرية المصرية للعقود الستة الماضية، على حد تعبير أحد من قابلتهم51.

إن خوف النخبة العسكرية من محاولات الأخوان لاختراق المؤسسة العسكرية كان عالياً طوال فترة مرسي. تلك المخاوف لم تكن بلا أساس: ليس سراً في مصر أن الأخوان يسعون إلى زرع مؤيديهم في قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية. يزعمُ حازم قنديل أن الأخوان لربما أملوا بكسب بعضٍ من ضباط الجيش على الأقل إلى إيديولوجيتهم52.

العديد ممن قابلتهم اعترفوا بأنه تم اكتشاف عناصر من المؤيدين للأخوان بين الرتب الدنيا من الضباط، وبسرعة تم تطهيرها. المعلومات في هذا الصدد تعممت خلال فترة بين دوائر الصحافيين والدبلوماسيين في القاهرة، دون أن تُؤكد أو تُنفى رسمياً من قبل القوات المسلحة53.

التصريحات المتعددة من قبل قادة القوات المسلحة: المشير طنطاوي والسيسي بعد انتخاب مرسي للرئاسة، بأن الجيش سيبقى دائماً مؤسسة لجميع المصريين، ولن تسمح لنفسها بالخضوع لفصيل واحد أو لجماعة سياسية -تلميحاً فُهمَ عموماً أنه موجه للأخوان المسلمين- كانت تعبيراً واضحاً عن قلق كبار الضباط تجاه خطط الأخوان المزعومة لاختراق القوات المسلحة والسيطرة عليها 54.

مؤشرٌ آخر عن قلق كبار الضباط، هو القَسَم الجديد الذي فرضوه على الطلبة في الأكاديمية العسكرية، والذين يتعهدون بموجبه قسراً بطاعة القيادة العليا للقوات المسلحة من الآن فصاعداً، والولاء لمصر والجيش. كشف مصدر عسكري مجهول لصحيفة مصرية أن القَسَم الجديد كان أسلوب النخبة العسكرية للإشارة إلى جماعة الأخوان المسلمين كونهم، الأخوان، لن يُسمح لهم باختراق المؤسسة العسكرية. وأشار المصدر أيضاً إلى أن السياسة التقليدية لدى الجيش والتي يجري اتباعها وتنفيذها بقساوة هي طرد العناصر المسيسة بين الضباط55.

نشأ هناك خوف ذو صلة بالشكوك بأن الأخوان المسلمون قد بنوا الجناح العسكري التابع للحركة، الضباط عادة ما يكونون معادين للمنظمات العسكرية غير النظامية التي تستخدم أحياناً لمعادلة القوات المسلحة؛ هذا صحيح بصفة خاصة عندما يتم خلط التنافس المؤسسي مع الخصومة الإيديولوجية.

في مصر، فإن أسباب شكوك النخبة العسكرية المتعلقة بمخططات الأخوان المسلمين كانت ذات شقين. الأول، بعض الدعاة الإسلاميين دعوا علناً إلى إقامة حرس ثوري مستقلٍ عن القوات المسلحة، ويضم أعضاء من الأخوان المسلمين والمجموعات الحليفة، ومخصص لـ«حماية شرعية الرئيس مرسي»56.

لقد نشر الأخوان المسلمون فعلياً ما يشبه قوات صدمة منظمة بشكل جيد لطرد المحتجين المناهضين لمرسي أثناء حادث الاتحادية57، مطلقين بقوة شائعات حول «مجموعاتهم الردعية» ، رأس الحربة المزعوم لميليشياتهم الحزبية58. ثانياً، يشتبه الضباط بتواطؤ الأخوان عسكرياً مع حركة حماس، والتي يفترض أنها تقدم الأسلحة والتدريب للعشرات من أتباع الأخوان.

كذلك كان الضباط قلقين أيضاً من تداعيات انهيار ليبيا، والسهولة التي يمكن بها نقل الأسلحة والعناصر المتطرفة إلى مصر عبر الحدود الطويلة التي يسهل اختراقها بين البلدين. كما قالوا إن الأخوان المسلمين استغلوا الفوضى في ليبيا لتعزيز جناحٍ من القوات شبه العسكرية في عهد مرسي59.

الشروط /الظروف البنيوية للتدخل العسكري

العداء الإيديولوجي والمصالح المهنية عززا دوافع النخبة العسكرية المصرية لإزاحة الأخوان، ولكن الاستقطاب السياسي الحاد في عهد مرسي جعل عودة الجيش ممكنة. طوال الحملة للانتخابات الرئاسية في يونيو 2012، تعهدت جماعة الأخوان المسلمين بأن تكون سياساتها الشاملة/العامة بحيث أن مرشحها، محمد مرسي لا بد أن يفوز.

قدم مرسي نفسُه ثلاثة وعود: أولاً، أن نوابه لن يكونو من الأخوان المسلمين؛ ثانياً، أن رئيس وزرائه لن يكون بالضرورة عضواً في الأخوان المسلمين؛ وثالثاً، أنه يعتزم تشكيل حكومة ائتلافية تكون فيها جميع القوى الثورية ممثلة60.

يوم 22 يونيو عام 2012، وقع الأخوان اتفاقية فيرمونت61 مع الأحزاب المدنية الرئيسية في مصر. جوهرياً، وافق الإخوان على تشكيل جبهة وطنية تضم الاتجاهات الأربع في السياسة المصرية: الناصريين والليبراليين واليساريين والإسلاميين. المنطق الذي كان وراء اتفاق فيرمونت هو أن جميع القوى التي ساهمت في الثورة يجب أن تدير معاً المرحلة الانتقالية. الترجمة الرئيسية/الفعلية لاتفاقية فيرمونت أنه يجب أن تُشكل حكومة إنقاذ وطني يرأسها مستقل بعد الانتخابات الرئاسية، والتي سيتم تمثيل كل الاتجاهات الوطنية فيها62.

عكست ضمانات التشارك الضرورات الانتخابية للأخوان السابقة للانتخابات الرئاسية لعام 2012. ولكن عندما أصبح مرشحهم رئيساً للمصر، اختار الأخوان مساراً مختلفاً. فالحكومة التي تشكلت في أغسطس 2012 رأسها هشام قنديل، وهو من الأخوان المسلمين، وهي حكومة متحيزة للأخوان. كان المستقلون من التكنوقراط، بدلاً من أن يكونوا ممثلين للاتجاهات السياسية الأخرى.

السلفيون، الذي كانوا قد ربحوا 121 مقعداً (24.3٪) في مجلس النواب في عام 2012، وكانوا يأملون في المشاركة في حكومة الأخوان، تم استبعادهم. لم تكن استراتيجية الأخوان للتعيينات في الحكومة المحلية أكثر سماحة مع التشكيلات السياسية الأخرى. في القرار الرئاسي لمرسي رقم 162 الصادر في سبتمبر 2012، تم تخصيص ضباط الجيش بنسبة 40٪ من تعيينات المحافظين (11 من 27 محافظاً)، ولكن لم يكن أيٌ من المحافظين المدنيين المعينين ينتمي إلى تشكيلات ليبرالية أو يسارية في مصر.

في القرار الرئاسي رقم 426 الصادر في يونيو 2013 -الجولة الأخيرة من تعيينات المحافظين قبل سقوط مرسي– شكل المحافظون الذين لديهم خلفية عسكرية نسبة 29٪ (5 من 17 محافظ) من جميع التعيينات، و9 من 11 محافظاً مدنياً عينوا في يونيو 2013 كانت خلفيتهم من الأخوان المسلمين. وعُشر التعيينات ذهبت إلى الجماعة الإسلامية، وهي جماعةٌ كانت قد تحالفت مع الأخوان، ويعرض الجدول 3 الخلفية المهنية لجميع المحافظين الذين عُينوا خلال فترة مرسي.

كانت الأهمية السياسية لهذه التعيينات واضحة المعالم: كانت جماعة الأخوان المسلمين لا ترغب في الانضمام إلى تحالف ديموقراطي حقيقي مع منافسيهم العلمانيين واليساريين، وفضلت الجماعة بدلاً من ذلك العمل مع «الشيطان التي تعرفه»63. بدلاً من توحيد القوى السياسية ومواجهة الجيش بجبهة مدنية موحدة، اختار الأخوان استيعاب مصالح المجلس العسكري، وأملوا في الفوز بإرادة الجيش، أو على الأقل، حياده، بينما حافظوا على إحكام قبضتهم على السلطة وحدهم. على حد تعبير ناثان براون «Nathan Brown»، تبين أن مفهوم الأخوان للديموقراطية «ضحل، وغالباً غير ليبراليٍ ومتعصب»64.

وتختلفُ الروايات حول تفسير الأسباب وراء سلوك الأخوان المسلمين. يقلل طارق مسعود من أهمية البعد الإيديولوجي في المواجهة بين الأخوان ومنافسيهم المدنيين، ويشدد على التنافس السياسي والصراع على السلطة65. ويسلط حازم قنديل الأضواء على الالتزام الإيديولوجي العنيد كونه يبين عدم قدرة الأخوان على إجراء التسوية؛ حدد الأخوان أنفسهم شكل صراعهم مع خصومهم على أنه «صراع بين الإسلام والعلمانية»66.

هذه التفسيرات لا تنفي بعضها بعضاً: كلٌ من التنافس السياسي وربما النفور تجاه العلمانية لربما قد ساهما في بناء أجندة الأخوان المسلمين. شيءٌ واحدٌ مؤكد، على كل حال: تصور الأخوان لم يكن على الخصوص مدعاةً للتفاؤل، ولا سيما بين القوى الليبرالية واليسارية في مصر، ولكن تكتيكات الأخوان الإقصائية تؤكد صورة منظمة استبدادية كان التزامها بالديموقراطية مجرد كلام. كانت المعارضة قد خسرت مقابل الأخوان في كل نقطة انتخابية حاسمة، سواء في الانتخابات التشريعية والرئاسية أو بالاستفتاءات اللاحقة لمرحلة ما بعد مبارك.

وفي الوقت نفسه، كان الأخوان غير مستعدين لإعادة الانتخابات الرئاسية التي جلبت مرسي إلى السلطة، بينما كانت المعارضة تطالب بذلك. وبدلاً من ذلك، اقترح الأخوان جدولاً زمنياً لانتخابات برلمانية مبكرة، والتي، كما أشار طارق مسعود، كانوا متأكدين من أنهم سيفوزون بها ثانية67. وكون الاستقطاب الناشئ بين القوى السياسية في مصر قد عطل النظام السياسي، فإن السياسة فوق المؤسساتية جعلت جبهة الخلاص الوطني المعارضة هي الخيار الوحيد لإزاحة الأخوان من السلطة.

يقع التحقيق في عمق عداء الحملة الشعبية للأخوان، والمعروفة باسم «تمرد»، خارج نطاق هذا المقال. بلغت الحملة ذروتها في تحرك شعبي ضخم في 30 يونيو 2013. ومع ذلك، هناك ثلاثة أمور مهمة لا بد من ذكرها لغرضنا: أولاً، جاءت تمرد في أعقاب تدهور متزايد للعلاقة بين الأخوان والمجلس العسكري.

في يونيو 2012، حلَّ المجلس العسكري مجلس النواب الذي يهيمن عليه الأسلاميون وخول نفسه السلطة المكتسبة قبل أيام من تولى مرسي منصبه. في أغسطس 2012، أقال مرسي قائد الجيش، المشير طنطاوي، ورئيس أركان الجيش الفريق سامي عنان، مما أدى إلى زيادة العداء من الضباط. وعلى الرغم من أن الأخوان في البداية أشادوا بالسيسي كوزيرٍ للدفاع بـ«نكهة الثورة»، فإن علاقته مع مرسي توترت بسرعة.

في الواقع، قبل انقلاب يوليو 2013، لجأ الجيش إلى استعراض القوة مرتين: كانت المرة الأولى في أكتوبر 2012، في رد فعل على شائعات تقول إن طنطاوي وعنان سوف يحاكمان بتهمة الفساد68. والمرة الثانية في فبراير 2013 عندما تم تداول أخبار تقول بأن مرسي عازم على إقالة السيسي. «مصدر مأذون» في القوات المسلحة سرب إلى الصحافة المصرية ما مفاده أن المؤسسة العسكرية لن تتسامح مع تكرار الإطاحة طنطاوي وعنان، محذرة من أن أي تحرك ضد السيسي سيكون بمثابة «انتحار كامل النظام السياسي»69.

في وقتٍ لاحق، في مارس عام 2013، رفض الجيش دعم حظر التجول الذي كان مرسي قد أعلنه في مدن منطقة القناة، وبالتالي الدخول في «تمردٍ صامت»70. وفي يونيو 2013، انتشرت شائعات مفادها أن مرسي قرر استبدال السيسي باللواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني71. في الواقع، بدأ الصراع مع الجيش في عهد مرسي في وقت مبكر جداً، وظل يتصاعد في الشهور السابقة لانقلاب يوليو 2013، على خلفية عدم وجود ثقة متبادلة.

ثانياً، الجيش والوكالات الأمنية ساهمتا بشكل مباشر في إنشاء حركة تمرد، وقد حمت مخابرات القوات المسلحة منظمي تمرد من الأخوان قبل شهور خلت على الاحتجاجات المناهضة لمرسي في حزيران72. كان منظمو تمرد أيضاً قادرين على تأمين التغطية الإعلامية والدعم المالي اللذين كانوا بحاجة إليهما لنشر رسالتهم في الأوساط الموالية للجيش داخل وخارج مصر73، وبالإضافة إلى ذلك، تعهد الجيش علناً بحماية المتظاهرين؛ وبعبارة أخرى، أرسل المجلس العسكري إشارة للمصريين المعارضين لمرسي بأنهم لن يواجهوا أي خطر في حال مشاركتهم في الاحتجاجات74.

ثالثاً، الجني الذي حصده الجنرالات من مطالبات ملايين المصريين برحيل مرسي كان ذا شقين. دعا المتظاهرون المجلس العسكري للتحرك ضد مرسي، وبالتالي ترحيل مطالب المعارضة للجيش للتدخل في الأزمة السياسية المتصاعدة في مصر. هذه الدعوة أسبغت الشرعية على الجنرالات، الذين تمكنوا من الادعاء بأنهم قد يطردون مرسي «استجابة لنداء الشعب»، وليس لانقلاب75.

علاوةً على ذلك، فإن دورة التحركات الشعبية المتواصلة والتحركات الشعبية المضادة، فضلاً عن الاشتباكات المتكررة في شوارع مصر، قرعا ناقوس الخطر بالفوضى والانهيار الاقتصادي، والواقع أنها بدت كإشارة الحرب الأهلية. صوّرَ الجنرالات عملهم على أنه محاولة لانقاذ مصر من الأخطار التي تلوح في الأفق، ولو أن المجلس العسكري واجه جبهة سياسية موحدة وحالة مستقرة نسبياً، فلربما قد يكون من الصعب على النخبة العسكرية الإطاحة برئيس منتخب، ومن ثم مواجهة الاحتجاجات اللاحقة لذلك.

كان فك الارتباط بين المدنيين والضباط ضمن مؤسسات السلطة نتيجة للعزلة المتزايدة للإخوانفي المجال السياسي، والقدرة المناظرة للجنرالات لحشد حلفاء مدنيين أقوياء ضد الأخوان. زعم كل من براونلي ومسعود ورينولدز 76 بشكلٍ محق، في هذا الصدد، أن التدخل العسكري لم يكن ممكناً «لولا الصراع بين الأحزاب السياسية في مصر»77.

من المهم أن نلاحظ أنه طوال عهد مرسي القصير، كان الجيش قادراً على الاعتماد على دعم السلطة القضائية في مواجهته المستمرة مع الأخوان78. فقبل أيام من تولي مرسي السلطة في 30 يونيو 2012، حلَّ المجلس العسكري مجلس النواب الذي يهيمن عليه الإسلاميون بعد أن أبطلت المحكمة الدستورية العليا الانتخابات لأسباب شكلية. في الواقع، سمحَ القضاء للمجلس العسكري أن يمنح نفسه سلطات تشريعية ضد فوز الأخوان في الانتخابات البرلمانية.

حاول مرسي إعادة البرلمان في وقت مبكر من رئاسته، ولكن المحكمة الدستورية ألغت قراره في 10 يوليو 2012. وفي نوفمبر 2012، أصدر مرسي مرسوماً تنفيذياً بوضع الرئاسة فوق الإشراف القضائي، ومنح نفسه صلاحيات ليحل محل المدعي العام للدولة، وهي الخطوة التي سببت ضجة في القضاء المصري، وانتشرت شائعات بأن مرسي ينوي إقالة مئات من القضاة «غير المتعاونين» بينما نظم مؤيدو الأخوان مسيرات تطالب بتطهير القضاء من العناصر «المعادية للثورة»79.

في مارس 2013، ألغت المحكمة الإدارية العليا مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات برلمانية في أبريل، ومشككاً/متسائلاً في دستورية القانون الانتخابي. وفي يونيو 2013، قبل أسابيع من انقلاب يوليو، حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم قانونية انتخابات البرلمان المصري الذي يهيمن عليه الإسلاميون، على الرغم من أنها قررت أن النواب سيبقون في مقاعدهم حتى تُعقد انتخابات جديدة.

باختصار، كانت المعارضة القضائية لمرسي منظمة. بيَّن الأخوان أن الولاء لنظام مبارك هو السبب في سياسة القضاء المعيقة، بينما اعترض آخرون على اعتبار القضاء المصري بقايا فلول مبارك80. وكون التحقيق في هذا الأمر يقع خارج نطاق هذه المقالة، هناك نقطتان لهما صلة بالأطروحة قيد التحقيق: أولاً، إنه من الواضح أن القضاء كان جزءً من الهيكل السياسي المعيق لأجندة الأخوان المسلمين بعد فوزهم في أول انتخابات رئاسية ديموقراطية في مصر. في الواقع، وكون مرسي حارب الأحزاب اليسارية والليبرالية في المشهد السياسي بشكل عام، فإنه كان يحارب أيضاً ضد اللاعبين الأقوياء ضمن منظومة الدولة المصرية، بما في ذلك الجيش والقضاء.

ثانياً، ساهم الصراع بين القضاء والأخوان بالتحول في علاقة القوة بين الجيش والجهات المدنية، والتي سمحت في النهاية للجيش بالاستيلاء على السلطة وإنهاء تجربة مصر في الحكم الديموقراطي.

المناقشة والاستنتاج

المساجلة الرئيسية لهذه الدراسة هو ما تعتقده الجيوش بأن دورها لا بد أن يكون أساسياً في تعزيز الديموقراطية أو، بدلاً من ذلك، في انهيارها. وأكد روبرت دال وفاينر على التوالي في هذا الصدد:

حيثما يكون الجيش ضخماً نسبياً، ومركزياً وهرمياً، كما هو الحال في معظم البلدان اليوم، فالتعدد هو بالطبع مستحيلٌ ما لم يكن الجيش غير مسيسٍ بما فيه الكفاية حتى يسمح بالحكم المدني… عامل التدخل الحاسم، بشكل واضح، هو واحد من المعتقدات… الأمر الذي يتوجب تفسيره وفهمه هنا هو بسيط وواضح: تعتمد فرص التعدد اليوم بشكلٍ مباشرٍ على قوة بعض المعتقدات، ليس فقط بين المدنيين ولكن بين جميع رتب الجيش81. بعض الوكالات العسكرية لديها مصلحة قوية غير مادية في أن تناصر إيديولوجيا معينة.

الجيش التركي، على سبيل المثال، هو كمالي. الجيش البورمي، ضد الانفصال. الجيش النيجيري، مكرسٌ للاندماج الوطني. جيوش كتلك، بعد أن أحدثت ثورة باسم تلك القيم، من غير المرجح أن تُسلم السلطة إلى المدنيين الذين يحملون وجهات نظر معارضة82.

يتجاوب تركيزي على الأفكار والتفضيلات المعيارية مع تفسيرات دال وفاينر، والعمل الحديث جدا لباراناي 83 ، وكذلك ماينوورننغ وبيريز 84، حول أمريكا اللاتينية85. إن نتائج مقابلاتي التي أجريتها مع الجنرالات المصريين هي واضحة: كبار الضباط يعتقدون أن الرئيس المصري ينبغي أن يكون له خلفية عسكرية.

لا تزال النخبة العسكرية غير مستعدة لقبول حكم مهني غير مسيس بوضوح، إن ترويض الجيش المصري كان سيكون أمراً في غاية الصعوبة على أي حزب سياسي يصل إلى السلطة بعد عام 2011. الأخوان المسلمون، مع ذلك، كانوا غير موفقين في إدارة العلاقات المدنية العسكرية في المرحلة ما بعد الانتقالية، لأن الجنرالات مقتنعون بأن الأخوان هم جماعة سياسية هويتها وسياستها تهدد المصالح الأساسية لمصر، ولكن أيضاً، لأن الجنرالات قلقون من اختراق الإسلاميين لسلك الضباط.

لو كان الإخوان أكثر تفهماً وادراكاً، أو لو كان معارضوهم المدنيون قد امتنعوا عن دعوة الجيش للتدخل على الرغم من استبعادهم من السلطة، لكان يمكن أن تكون فرص مصر في ترسيخ ديموقراطيتها الوليدة أفضل. ولكن ذلك لم يحدث أبداً.  العلاقة بين معتقدات الجيش المُراجِعة للتحول السياسي، والتخوف العسكري من إخلال الأخوان المسلمين باستقلالية سلك الضباط وتصديعها، والبنية الداخلية المستقطبة، تفسر عودة الجنرالات إلى الحكم وفشل دعم مصر.

العينة التي قابلتها كانت ضيقة لأسباب سبق بيانها في هذا المقال، ويحدوني الأمل في أن الباحثين في المستقبل في موضوع العلاقات المدنية-العسكرية المصرية سوف يكونون قادرين على إجراء عمل ميداني أكثر اتساعاً من بحثي، وسيتمكنون من الوصول إلى عينة أكبر وأكثر ملاءمة من الذين قابلتهم في القوات المسلحة. لا تزال الدراسات في شأن الثقافة السياسية للعسكريين شحيحة، وهناك حاجة إلى تحقيق إضافي لسبر الثبات الثقافي أو التغيير في سلك الضباط.

الضباط الأرجنتينيون استخلصوا من مغامراتهم العسكرية والاقتصادية خلال عهد محكمة العدل، أوخلال عهد التعامل
86 أنهم لا يصلحون للسياسة؛ وقبولهم بالحكم المدني يمكن إرجاعه الى الفشل الذريع الذي منيوا به كحكام. والضباط المصريون عانوا أيضاً من سلسلة من النكسات العسكرية منذ استيلائهم على السلطة في عام 1952، ولقد كانت مصر أي شيء إلا ناجحةً اقتصادياً، وخاصة في العقود الثلاث الماضية.

لماذا تغيرت مواقف الضباط في الأرجنتين، ولم تتغير في مصر؟ فقط تقويم خبير نظري ومطلع حول الجهات والأدوار العسكرية يمكنه الإجابة على هذا النوع من الأسئلة. تبقى مهمات بحث صعب وشجاع لكنه مثير أمام الباحثين والدارسين المهتمين في استخدام المناهج الوصفية، لسبر المواقف الثقافية والعمليات الصغرى 87 في سلك الضابط لبلاد الديموقراطيات الوليدة/الناشئة.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s