ماذا تعرف عن الصناعة العسكرية العربية؟

تنفق البلدان العربية مليارات الدولارات سنويًّا، من أجل تسليح جيوشها بأحدث ما أنتجته شركات الأسلحة العالمية، في ظل غياب صناعة عسكرية محلية حقيقية. وأمام تزايد التحديات الأمنية؛ يزداد الطلب العربي على السلاح بشكل سريع، مقتطعًا بذلك جزءًا مهمًّا من الميزانية العامة للبلدان العربية.

واقع الصناعة العسكرية العربية المحلية

في المجمل، يصعب القول إن هناك بلدًا عربيًّا ما، يتوفر على صناعة عسكرية محلية مستقلة تمامًا، من حيث التقنية والكوادر المشتغلة في المجال، بيد أن هناك محاولات محتشمة من قبل بعض الدول في الوطن العربي، التي ما تزال تتلمس طريقها للانطلاق في هذا المسار.

وتعد مصر الأكثر جدية في هذا الإطار من بين البلدان العربية الأخرى، حيث ساعدت الظروف السياسية والإقليمية التي عاشتها مصر طوال عقود، في التوجه نحو التصنيع العسكري؛ أملًا في إنهاء التبعية العسكرية للغرب، ومن ثم خصصت هيئة خاصة، وهي وزارة الإنتاج الحربي، تعنى بالتصنيع العسكري محليًّا.

لكن الصناعة العسكرية المصرية، لم تتجاوز إنتاج بعض الأسلحة الخفيفة والذخائر، بالإضافة إلى تجميع المركبات القتالية، بالتعاون مع شركات عالمية في إنتاج الأسلحة، أمريكية وروسية.

في هذا السياق أيضًا، يسعى المغرب، كما يذكر المكتب الأمريكي المتخصص في تقديم الاستشارات الصناعية «فورت سيلفيان»، إلى تطوير صناعة عسكرية محلية من خلال تأسيس قاعدة صناعية دفاعية، بهدف تقليص اللجوء إلى الخارج لاقتناء الأسلحة.

وتفيد تقارير في الآونة الأخيرة، بأن هناك دعمًا سعوديًّا قويًّا في مجال تصنيع أسلحة عسكرية محلية، حيث يورد موقع «ديفنس إنديستري دايلي» المتخصص، كون الرياض تمول الرباط بمليارات الدولارات، من خلال اقتناء براءات تصنيع دفاعية، وتوفير يد خبيرة بالمجال، لأجل وضع حجر الأساس لصناعة عسكرية مغربية في 2019. وكان المغرب قد عقد صفقة في الفترة الأخيرة، مع إحدى شركات الأسلحة الأمريكية، لتطوير صناعة عسكرية محلية، وتدريب أطر وطنية في هذا المجال.

في نفس الاتجاه، تسير الإمارات هي الأخرى نحو دخول مجال التسليح، حيث أخذت شركات إماراتية على عاتقها تطوير الصناعة المحلية، بالتعاون مع الشركاء العالميين، خاصةً روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت شركة الإمارات للصناعات العسكرية «إديك»، قد شاركت في معرض الدفاع الدولي «أيدكس»، المنعقد العام الماضي بأبوظبي. حينها أظهرت منتجها الجديد مدرعة «أنيغما». ولا تسعى الإمارات إلى بناء صناعة عسكرية دفاعية، بقدر ما تهدف إلى الربح، من خلال استقطاب شركات أسلحة عالمية للعمل داخل أراضيها.

عوائق الصناعة العسكرية العربية

ما تزال الجيوش العربية تعتمد على استيراد أسلحتها من الخارج، وعجزت بلدان المنطقة طوال نصف قرن عن إرساء صناعة عسكرية محلية، تعتمد على الموارد الذاتية، وظلت حتى الآن وفية للصفقات العسكرية مع شركات الأسلحة العالمية.

غير أن هناك مجموعة من العوائق، التي تمنع بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من إنشاء بنية صناعية للتسليح المحلي، على رأسها افتقار دول المنطقة لرأس المال البشري في هذا المجال، إذ ترتكز الصناعة الحربية على المعرفة، والقدرة على الابتكار، علاوة على القيام بالأبحاث العلمية التقنية.

وتحتاج صناعات الأسلحة طاقات بشرية هائلة متنوعة في التخصصات، تشمل خبراء الرياضيات التطبيقية، والإلكترونات، وهندسة الطيران، والكهرباء، والميكانيكا، والفيزياء النووية، والكيمياء، وغير ذلك من الفروع المتعلقة بمجال صناعة الأسلحة.

الأمر الذي تفتقده بلدان المنطقة العربية نتيجة واقع التعليم والتدريب المنخفض، بالإضافة إلى هزالة البحث العلمي في الوطن العربي كمًّا وكيفًا.

وعلى صعيد آخر، تعاني معظم بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من نقص رؤوس الأموال والاقتصادات المهترئة، وهو ما يعيق الدخول في مسار تأسيس بنى الإنتاج العسكري، التي تحتاج تمويلات ضخمة، فضلًا عن الكوادر الخبيرة المكلفة في هذا المجال.

من جانب آخر، تمثل الهوة الواسعة التي تفرق بين البلدان العظمى، وبلدان العالم الثالث، على مستوى التقنية العسكرية، مصدر إحباطٍ لكافة المشاريع البدائية في إنتاج الأسلحة، حيث يصبح محكوم عليها بالفشل مسبقًا، ومنه تفضل البلدان العربية الاعتماد على استيراد الأسلحة الحديثة، بدل المخاطرة بالانخراط في مشاريع محكوم عليها سلفًا بمحدودية النجاح، أمام الأسلحة المتطورة التي تعرضها شركات الأسلحة العالمية.

أهمية الصناعات العسكرية المحلية

يعتبر امتلاك السلاح في المناخ العالمي الحديث مصدر أمن، ولا سيما بالنسبة للبلدان المهددة بالاعتداءات الخارجية، إلا أن القدرة على تصنيع الأسلحة يعد أمرًا حاسمًا في السيادة الوطنية، خاصةً في فترة الحرب.

وتتجاوز الصناعة العسكرية لدى البلدان المتقدمة الأهداف التقليدية، المرتبطة بتحقيق الأمن، إلى غايات اقتصادية وسياسية، حيث تدر تجارة الأسلحة على الشركات المصنعة العالمية مليارات الدولارات سنويًّا، مثلما تمثل تجارة الأسلحة ورقة ضغط بيد البلدان المصدرة لها، توظفها حسب مصالحها السياسية.

أما بالنسبة لبلدان العالم الثالث، فتعد الصناعة العسكرية المحلية مطلبًا ضروريًّا، لتحقيق استقلالية القرار السياسي، وتأمين السيادة الوطنية في كافة الظروف السياسية الدولية.

وفي هذا الشأن، يحث إبراهيم اسعيدي، أستاذ العلاقات الدولية والخبير المتخصص في شؤون الدفاع، الدول على تحقيق الأمن العسكري، من خلال الاكتفاء الذاتي للصناعة المحلية، والذي لن يتأتى إلا عن طريق توفير بنية مؤسساتية للبحث العلمي، تكون خادمة للصناعة الحربية، علاوة على عقد شراكات مع دول العالم المتقدم، من أجل استيراد الخبرة والتكنولوجيا المرتبطة بالتقنية العسكرية.

هذا وتبرز العديد من البلدان، التي استطاعت تحقيق صناعة عسكرية محلية خلال بضعة عقود فقط، وبعضها تجاوز الاكتفاء الذاتي إلى تصدير الأسلحة نحو بلدان أخرى، كما الحال مع كوريا الجنوبية، وسنغافورة، وإسرائيل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s