الخبز والسلاح والطبقات الآمنة

بينما كنت استعيد مقاطع فيديو رابعة وشهادات المجزرة، وكل ما يمكن أن يحاوطني طوال الليل فينتج عنه كوابيس، مرر لي صديقي مقطع من مقاطع الفيديو لعالم آخر، تفغر فاك للوهلة الأولى متسائلا: هؤلاء يعيشون في مصر هنا؟

شباب سكارى يتراقصون على أنغام ليالي البيتش باجي، فتاة روسية تتلوى على عامود في رقصة تعرٍ صاخبة، دولارات محشوة في صدر مساعدة ساحر تطير في الهواء لتعود فتقبل أحدهم في شفتيه. “حياة الليل الفارهة” ومواسير المال المتدفقة دون حساب، هنا الحسابات مختلفة، حيث مصر جديدة تمامًا لا ترى الله ولا الشمس ولا المطر. وحده الشيطان يأتي هنا ليقضي وقتًا ممتعًا ويمضي.

وبعد أن تسمّرت أمامي من الدهشة سألته السؤال الساذج: ما هذا؟ فقال: هؤلاء هم من ندفع لهم الضرائب، هؤلاء هم الطبقات الآمنة!

تدفق آلاف الفنزويليين عبر جسور على كولومبيا الاثنين 11 يوليو/تموز، بعدما ألغت فنزويلا قرارًا بإغلاق الحدود، للسماح لمواطنيها بشراء الأغذية والأدوية.

كانت مئات السيدات تدافعن الأسبوع الماضي وعبرن نقطة تفتيش إلى مدينة كولومبية على الجانب الآخر، وقلن إنهن بحاجة ماسة لشراء سلع أساسية كالزيت والسكر والدقيق والأدوية التي أصبحت شحيحة جدًا، بينما تشير المؤشرات إلى ارتفاع في نسبة التضخم تصل إلى 80% من الناتج المحلي.

مال على كتفي رجل سبعيني وقال: تغيير العملة بسعر منصف في مصر أشبه بالتجارة في المخدرات. “خذي حذرك”. ربت على كتف الرجل المقوس، وتوجهت نحو الفتاة في نافذة الصرافة، فقالت: سعر الدولار 8.88 وسعر اليورو 9.82.

عرفت من صديق أن سعر الدولار في السوق السوداء وصل إلى 12 جنيها واليورو أيضًا.
الأمن يدخل ويصادر المال من شركات الصرافة، والسرعة لا تزيد عن صفر.

على مدى سنتين من حكم عبد الفتاح السيسي تبنى الإعلام نبرته التحذيرية من مصير سوريا والعراق، كما جعلت الولايات المتحدة من ثورات أمريكا اللاتينية عبرة لكل من تسول له نفسه الثورة على السيطرة الأمريكية في الجنوب، لكن الحقيقة أن السيناريوهات السيئة ليست سوريا والعراق.

أتذكر يوم زحف الغزيون إلى مصر مخترقين المعابر لأجل الحصول على الماء والطعام والدواء وقد ارتضوا أن يشتروه بأثمان باهظة لسد عجزهم. جغرافيًا نبعد عن الأرجنتين آلاف الكيلومترات لكننا لسنا ببعيدين عن الجوع إن استمرت سياسيات “أكل لحم الفقراء” أحياء التي تمارسها حكومتنا الهشة المتخلفة.

وفي ذكرى رابعة أسمع شهادة أحمد المغير التي لا أفهم من المستفيد من نشرها اليوم وتحديدًا هذا الكلام؟ ما معنى أن يتحدث في هذا اليوم تحديدًا عن وجود سلاح في مجزرة مات فيها ألف معتصم أو يزيد. إن كان الكلام صحيحًا وإن وُجد بالفعل السلاح بين ظهرانيهم فلماذا لم يُدافعوا عن أنفسهم به؟ لماذا لم يقنصوا الجنود وقد دخلوا وأحرقوا جثث الجرحي أحياء؟ لماذا لم يدافعوا به عن أنفسهم أمام جرافات شجت رؤوس القتلى في ساعات احتضارهم الأخيرة؟ وهل من الممكن التصديق أن الداخلية التي اتبعت أسلوب التلفيق وخاصة في القضايا الكبيرة من هذا النوع لم تلفق هذا الأمر أيضًا؟ هل حجم السلاح الذي وُجد في رابعة والنهضة كان كافيًا وكبيرًا لدرجة تسمح لهؤلاء الناس بوصفهم بالإرهابيين حملة السلاح؟

ألم يكن النظام على علم ودراية بإمكانيات المعتصمين وقدراتهم على صد الهجوم الذي قد يتعرضون له؟

هل لو أن الاعتصام خلا من نبرة التهديد والوعيد التي تلبست قيادات المنصة وقتها، هل كان ذلك سيغير من أمر الفض شيئًا؟ أم أن الخطة المعدة سابقًا كانت إسكات التيار الإسلامي تمامًا وإنهاكه؟

في مصر هناك معادلة واحدة تبقى بانتظار إجابة ملحة: ماذا ستفعل الطبقات الآمنة من القضاة والجيش وأبنائهم والعاملين في قطاعاتهم، وعائلاتهم لو أن ماسورة المياة المتدفقة سُدت تمامًا بفعل التضخم المستمر والإفلاس الذي تتعرض له الدولة التي بدأت تشتكي على لسان رئيسها من العجز الذي تسببه مرتبات الموظفين في الوقت الذي تزيد فيه مرتبات القضاة بنسبة تصل إلى 800%؟

الشق الثاني من المعادلة هو: إذا كان النظام الحالي لا يريد فتح ملف رابعة فهل هو قادر على دفع فاتورته الباهظة مستقبلًا، التي قد لا تختلف كثيرًا عن محاكمة رموز النظام العراقي السابق؟

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s