أقسم جسمي!

لم أكن لأفكر بكتابة هذا المقال لولا ردود الفعل الهائلة التي تدفقت علي عبر حسابي في منصة سناب شات بعد حديثي عن ثقافة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لمن يحتاجها من الأحياء. كنت مهتمة دائما بهذا الأمر، وأستغرب من التشاؤم، وأحيانا الخوف، الذي يبديه كثيرون في خضم الحديث عن أهمية التبرع بالأعضاء للمحتاجين إليها من المرضى!

لم أكن لأفهم سر ذلك التعلق الشديد بجسد علاوة على أنه فان فهو لم يعد لنا؟، لماذا نصر على امتلاكه حتى ونحن لا نشعر به ولا نحتاجه ولا نحتاجنا نحن أنفسنا؟

كلما رأيت مريضا يعاني بانتظار من تبرع له بكلية بدلا كليتيه المريضتين لتستمر حياته، أو بقرنية بدلاً من قرنيتيه التالفتين ليبصر من جديد أو أعضاء أخرى دفنت في التراب وتلاشت في طي الزمن القادر على امحاء كل شيء، فكرت بأنانيتنا البشرية الذاهبة معنا حتى العدم الأخير!

هل هي أنانية فعلا أن يرفض المرء أن “يعبث” الأحياء بجسده ميتاً؟ أم أن الأنانية الحقيقية هي الخافية الكامنة في ترك ما نستطيع تركه من أجسادنا على هذه الحياة بعد ذهابنا إلى الغياب الأبدي ليعيش مرة أخرى بصيغة أخرى وحياة أخرى في زمن جديد يضاعف الزمن الأول لنا؟

‏اعتدت أن أشجع الآخرين على فكرة بترديد بيت الصعلوك الشهير عروة بن الورد: “أقسم جسمي في جسوم كثيرة / وأحسو قراح الماء والماء باردُ”، وبالطبع فإن الشاعر لا يعني فكرة التبرع بالأعضاء كما هي الآن، ولكن المعنى واحد حيث يصبح العطاء من الذات في سبيل التشارك الإنساني مع الآخرين هو المعنى الحقيقي للحياة. هذا هو المعنى الوجودي الأول كما فهمه شاعر لم تكن تساوي عنده حياته قيمة إن لم تتوازى في قيمة حياة الآخرين!

‏ولست متأكدة أنني كنت قد توصلت لفهم هذه الفلسفة عندما أقدمت على محاولتي الأولى في التبرع بكامل أعضائي بعد وفاتي لمن يمكنه الانتفاع بها. كانت أول محاولة لي قبل ربع قرن تقريبا،  ويومها لم تكن فكرة التبرع بالأعضاء فكرة معروفة ومرحب بها  في مجتمعاتنا، وربما ما زالت، ومع هذا أقدمت عليها بجرأة أحسد نفسي عليها الآن، أنا التي لم أكن لأجرؤعلى اتخاذ قرارات أخرى أقل أهمية منها لوحدي وبلا استشارة الآخرين وموافقتهم أيضا. هل كان ذلك القرار ينتمي لرزمة أفكار الطيش الشبابية في نزعة الاستقلال الفردي المبكر؟ أم كان نوعا من التمرد على فكرة أن يمتلك الآخرون جسدي أكثر مما أمتلكه أنا بحجج مختلفة فأصر على أن أمتلكه بطريقة أخرى لا يقوون على منازعتي فيها، كما يفعلون في الأمور الأخرى وينجحون، أنا الميتة المسجاة على منصة التشريح تحت لمعان مشارط الأطباء وهم الأحياء الباكون والمتباكون في ردهة المستشفى؟ هل كنت فعلا أريد إنقاذ حياة فرد لأنقذ من خلاله حياة الآخرين تحت ظلال الآية القرآنية الكريمة؛ “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”؟، أم أريد إنقاذ حياتي التي كانت تتأرجح في مفترق طرق فكرية متعارضة ومتناقضة بدت لي وأنا أودع حياة الجامعة الحاشدة بكل شيء لأستقر في خياراتي الشخصية؟

لست متأكدة من شيء الآن سوى جرأتي في اتخاذ قراري الفردي الكبير البسيط. هو جسدي على أية حال ثم أنه لن يكون جسدا بل سيتحول إلى جثة.. مجرد جثة مدسوسة في التراب حتى التلاشي النهائي، نسياً منسياً ككل الجثث في مقابر النسيان بعد صلاة الجنازة!

لعلها إذن كانت محاولة للبقاء وتأجيل الرحيل الكامل عبر حيلة التبرع، وفقا لفلسفة عروة بين الورد وهو يوزع جسمه في جسوم كثيرة؟ ربما. المهم أن السنوات اللاحقة لتبرعي الأول بأعضائي أنستني الفكرة حتى جددتها قبل سنوات قليلة بتبرع جديد أكدت فيه رغبتي بالتنازل للآخرين عن حق الدود والتراب والنسيان في الجسد الميت.

‏كيف يبدو لك الأمر الآن؟ أحد أكثر الأسئلة التي وردتني أمس، وأجيب؛ مريح وبسيط  بل شديد البساطة. وأؤكد هذا للذين يسألون عن شعوري تجاه جسدي الذي لم يعد كذلك بل تحول إلى أمانة أحملها، وأحافظ عليها قدر استطاعتي، على سبيل العيش حتى لحظة الفراق بيننا، ولا أفكر إلا بكيفية تنفيذ الآخرين لرغبتي العارمة في ألا أذهب كلي إلى القبر بذات البساطة بعد وفاتي. رحمني الله وإياكم!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s