التطبيع الرخيص رهان خاسر.. لماذا؟

هدف محاربة الإسلاميين جمع بين الكيان الصهيوني وقيادته المتطرفة وبين نظام السيسي في مصر، مع تحولات جذرية في مفهوم العدو والصديق، الأمر الذي شجع الصهاينة في ظل قيادة تعد الأشد تطرفا على المزيد من التغلغل في الدول والنخب العربية والخليجية بحثا عن تطبيع سري أو علني تحت ذرائع واهية وخادعة، إلا أنها وجهت بموجة من الرفض الشعبي، من قبل الشعوب والنخب الثقافية، التي أكدت أن إيران والكيان الصهيوني يتبعان سياسة واحدة للقتل والتخريب والعبث بالأمن القومي العربي والخليج، وأن تل أبيب لا تصلح أن تكون حليف في مواجهة إيران، وكلاهما لا يمكن أبدا أن يحدث معهما شكل من أشكال التطبيع.

وتساءل مراقبون ما الذي تفعله إيران، ولم تقم إسرائيل بفعل ما يوازيه في الأعوام الماضية، وفي مقدمتها المذابح المتكرّرة في غزة والحصار المتواصل؟ هل يستقيم أن تُبنى مواجهة العدوان الإيراني على التطبيع مع العدوان الإسرائيلي؟

الأكثر خطورة اعتقاد بعض النخب العلمانية أن تل أبيب تساعدهم في إقصاء الإسلاميين، حيث تتمثل المأساة بحسب مراقبين في أن يكون هذا نمط أفكار نخبة علمانية في الخليج، بما تنطوي عليه من خلط للقضايا المحلية والإقليمية، بلا وعي لمستوياتها المختلفة، وسيطرة شهوة إقصاء الإسلاميين بأيّ ثمن، حتى لو كان التطبيع الأهوج.

تحول جذري في مفهوم العدو والصديق

تبحث مصر السيسي عن سلام دافيء مع الكيان الصهيوني، لتحدث تحول جذري في مفهوم العدو والصديق، في الوقت نفسه تسعى دولة الاحتلال إلى بناء علاقات تضمن أمنها واستقرارها، وتعصف بحق أصحاب الأرض، فقد اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، أن التطبيع أو دفع العلاقات مع العالم العربي أولاً، يمكن أن «يساعدنا في دفع السلام الأكثر وعيا واستقرارًا ودعما بيننا وبين الفلسطينيين»، مؤكدا أن العلاقات مع العرب في مرحلة تحول جذري.

جاء ذلك في كلمة ألقاها، رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال مشاركته في مراسم تخريج دفعة جديدة من منتسبي كلية الأمن القومي، بمدينة القدس، في 13 يوليو 2016 .وتابع «هذه الدول (العربية) باتت تدرك أن إسرائيل ليست عدوا لها، بل حليف وسند هام في وجه التيار الإسلامي المتطرف، وإيران اللذين يهددان الجميع» على حد تعبيره.

علاقات سرية

وتعليقا على تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، قال مصدر قيادي فلسطيني فضل عدم كشف هويته، «للأسف هناك علاقات عربية إسرائيلية باتت تتجاوز الدول التي يوجد معها اتفاقات سلام مثل الأردن ومصر.وأضاف المصدر «برغم أن هذه العلاقات سرية مع بعض دول الخليج والمغرب العربي، إلا أنها باتت تدفع نتنياهو لتجاوز الملف الفلسطيني إلى علاقة مباشرة مع دول عربية، وأشار إلى أن بعض العلاقات تتجاوز الحديث السياسي، رافضا التفصيل عن نوع هذه العلاقات.

ذرائع واهية     

في محاولة لكشف الذرائع الواهية وراء التطبيع المستتر، وحقيقة أهدافه رصدت الكاتبة “إيمان القويفلي” أنه حتى “اللواء المتقاعد الذي يمثّل نفسه” لم يستطع، وربما لم يجرؤ، على تقديم القصة الحقيقية الصريحة لزيارة وفد سعودي للقدس، على الرغم من أن سيادة اللواء من أهمّ “مغاوير التطبيع”، أو الطليعة المتخصّصة في مغازلة الإسرائيليين، مهما يكن الثمن. فالرحلة التي حاول “اللواء المتقاعد الذي يمثّل نفسه” تقديمها بصفتها رحلة للصلاة في المسجد الأقصى، وحضور حفل عرس نجل الأسير الفلسطيني، مروان البرغوثي، انتهت إلى اعتراف أحد أعضاء الوفد بأنها تضمّنت لقاء الجنرال الإسرائيلي المسؤول عن العمليات في غزة.”

وشددت “القويفلي” في مقال بعنوان “مغاوير التطبيع في الخليج ” نشر بمركز “إيماسك” مركز الإمارات للدراسات والإعلام في 4/8/2016، على أن “العمل من أجل مساعدة الفلسطينيين مسارٌ عربيّ كامل، لا طلعة جوية يقوم بها “مغاوير التطبيع” بلا مقدّمات، وحين يُفقد السياق السياسي العربي الداعم لحقوق الفلسطينيين، فلا يمكن، على الإطلاق، القيام فجأة بزيارةٍ كهذه، ثمّ تبريرها أنها “من أجل الفلسطينيين”

المغازلات الخليجية الإسرائيلية وذرائعها مرفوضة لماذا؟

لماذا هذه المغازلات مرفوضة قضية تفندها الكاتبة بالقول:”أما التبرير الآخر للمغازلات الخليجية – الإسرائيلية، بوصفها عملاً سياسياً لمواجهة إيران ما بعد الاتفاق النووي، فلا يمكن قبوله من ناحيتين.الأولى، هل يمكن لدول الخليج أن تراكم رصيداً سياسياً، من خلال تناول القضية الفلسطينية بطريقةٍ هي على النقيض تماماً من المقاربة الإيرانية لها؟ أو بصيغة أخرى: هل ستستعيد دول الخليج، عبر التطبيع مع إسرائيل، ما خسرته بسبب تخليها عن الفلسطينيين، وتركهم للدعم الإيراني، منذ “أوسلو”؟ فهم الإيرانيون ومُلحقاتهم العربية أن القضية الفلسطينية، في عُمقها وتاريخها وعدالتها، تمثل أحد أهمّ مصادر الشرعية السياسية عربياً وعالمياً، وأجادوا استخدام المواجهة ضد إسرائيل شعاراً دعائيّاً لكثير من تحركاتهم، بما فيها الـمُدمّرة للمجال العربي، كما في سورية ولبنان.”

جرائم إيران وتل أبيب والتطبيع

 وأضافت :”لا يمكن أن تتأتى المواجهة المنطقية لهذه البروباغاندا عبر التطبيع الرخيص مع الإسرائيليين، ونفض اليد من الفلسطينيين، بل عبر استعادة القضية الفلسطينية إلى مجالها العربي، ومُساندتها من أجل تسويةٍ عادلة.”

الناحية الثانية برأيها، أنه إذا كانت أحد أهم الانتقادات الأخلاقية التي يرفعها الخليجيون، مُحقّين، في وجه إيران، اعتداءاتها على سيادة الدول العربية، وتسببها، بشكلٍ مباشر وغير مباشر، في مذابح واسعة بين مواطنيها، فما الذي تفعله إيران، ولم تقم إسرائيل بفعل ما يوازيه في الأعوام الماضية، وفي مقدمتها المذابح المتكرّرة في غزة والحصار المتواصل؟ هل يستقيم أن تُبنى مواجهة العدوان الإيراني على التطبيع مع العدوان الإسرائيلي؟

 التطبيع وشهوة إقصاء الإسلاميين

انتهت الكاتبة إلى أنه “أخيراً هناك التوّاقون إلى بلوغ مشهد التطبيع الخليجي – الإسرائيلي، منطلقين من بواعث في غاية التقزّم، تتعلق بتوقهم الشخصيّ الشديد إلى القضاء على التيارات الإسلامية والقومية التي يتأسس جزء كبير من خطابها حول القضية الفلسطينية. وحسب افتراضهم، فإن تسوية القضية الفلسطينية سيُفرغ خطابات هذه التيارات من معناها، وسيُفقدها جمهورها. تخللت هذه الفكرة مقالاتٍ كثيرةً لكُتّاب التيار العلماني في الخليج، وطرحها، أخيراً، بعضهم بصراحةٍ فجّة. ثمة مأساة وملهاة في هذا.تتمثل المأساة في أن يكون هذا نمط أفكار النخبة العلمانية في الخليج، بما تنطوي عليه من خلط للقضايا المحلية والإقليمية، بلا وعي لمستوياتها المختلفة، وسيطرة شهوة إقصاء الإسلاميين بأيّ ثمن، حتى لو كان التطبيع الأهوج.

 وتابعت:أما الملهاة فهي أن هؤلاء هم من يتكلم ويكتب بتكرارٍ إلى حدّ الابتذال، في هجاء التحزّب ومنظور الحزبيين الضيق، وتعطيل الأيديولوجيا للعقل، بينما يعجزون، هم أنفسهم، وبسبب منظورهم الأيديولوجي الضيق، عن رؤية الشرخ السياسي المتجاوز للتيارات وللإسلاميين والقوميين، الذي يمكن أن يتسبّب فيه التطبيع الأهوج مع إسرائيل، في مجتمعٍ كالمجتمع السعودي.

التطبيع إدارة بالفشل

 وشددت على أن التطبيع بلا اتفاقيات عادلة ومُقنعة للوعي العربي فشلت، وستفشل في اختراق المجتمعات وإقناعها، فشلت في مصر وفي الأردن، وساهمت في إنتاج حكوماتٍ ضعيفةٍ تقتات على المتاجرة بالتطبيع مع أميركا وأوروبا.ولا يمثل اللجوء إلى مغازلة إسرائيل، في هذه المرحلة، على الإطلاق، حركةً من حركات الدهاء السياسيّ أو الحنكة الاستراتيجية، بل هو تتويج حالةٍ شاملة وعريقة من الفشل في إدارة ملفات السياستين، الخارجية والداخلية. الفشل في مساندة الفلسطينيين من أجل حلٍ عادل، وترك القضية الفلسطينية متاحةً لاستغلال النظام الإيراني. الفشل في فكّ حزام التوتر الطائفي داخل دول الخليج، والتوصل إلى نموذج حقيقي وشامل للمواطنة، واحتواء الأقليات المذهبية ضمن هذا النموذج وداخل الدولة.الفشل في مواجهة تمدّد النفوذ الإيراني، سياسياً وثقافياً، منذ وقتٍ مبكّر، والفشل الأحدث في إهمال التمدّد الحوثي في اليمن، ثم إدخال البلاد فجأة في حربٍ مُكلفة ومتعذّرة الحسم.

هل التطبيع الأهوج هو الحل؟

وتساءلت الكاتبة:هل التطبيع الأهوج مع إسرائيل هو الحلّ؟ هل سيحلّ التطبيع الأزمة الطائفية، ويستبدل انحياز المجتمعات الخليجية للفلسطينيين، وحِسّهم العامّ بانعدام العدالة في القضية الفلسطينية، وارتباطهم الوجداني بالقدس، هل سيتمكّن التطبيع من محو هذه الـمُدركات فجأةً، وبلا ضجيج أو أزمات؟ هل يمحو حِسّ الناس بالعدالة وقدرتهم على إدراكها؟ هل سيحلّ التطبيع أزمة المواطنة في الخليج، أم سيُعمّقها؟ التطبيع مع إسرائيل، والنخب التي تؤيده، وكتيبة مغاوير التطبيع الانتحارية التي لا تعبأ بأيّ شيء، في سبيل مغازلة الإسرائيليين، هؤلاء جميعاً، وهذه الحقبة كلها، لا تمثل حلاً للفشل التاريخي المتراكم، بل قمّة تتويج الفشل، وافتتاحاً لفصلٍ جديدٍ منه، حيث نجد أنفسنا قد أضفنا إلى أزمات الطائفية والمواطنة وإيران وفلسطين، صداقةً غير مقنعة مع إسرائيل، وهزّات سياسيةً داخلية، وتعميقاً للفجوات بين الحكومات والمواطنين.

التطبيع المجاني

وختمت بالقول “يقترح بعضهم تسمية هذا التطبيع بـ”التطبيع المجّاني”. أيمكن أن يكون مجانياً حقاً؟ مُستحيل. لا بُدّ أن يكون له ثمن، فورقة التطبيع مع الخليج ثمينةٌ للغاية، ومن يلعبون بها لا بدّ أنهم عازمون على تحصيل ثمنها، وما عساه يكون؟ هل يكون محدوداً وضئيلاً وشخصياً، إلى درجة تجعله أسوأ من “التطبيع المجّاني.”

مخاطر التطبيع

في رصد لخطورة التطبيع مع الكيان الصهيوني قال الكاتب مصطفى الصراف في مقال بعنوان “السلام مع إسرائيل يقويها ويضعفنا” بصحيفة “القبس الكويتية” في 5/8/2016،  “..نجحت الصهيونية في القضاء على البرامج التنموية المؤثرة في مصر، وكبلت مصر باتفاقية كامب ديفيد المشؤومة، التي أخرجت مصر من محيطها العربي، لكن الصهيونية لم ترتض بعزل مصر فقط، بل عملت على شق الصف العربي ككل، فراحت تمارس ضغوطها على دول الخليج حتى توصلت إلى تحقيق مرادها بشق الصف العربي بإيجاد ما أطلقت عليه الدول المعتدلة، وهي التي أخذت بالاصطفاف إلى جانب مصر مبارك وكامب ديفيد الداعية إلى مصافحة إسرائيل والتطبيع معها. ودول الممانعة التي بقيت ضد اتفاقية كامب ديفيد.

إلغاء كامب ديفيد ووقف الزحف الصهيوني       

في تفكير خارج الصندق شدد “الصراف” على أنه قد آن الأوان لكي تتخلى الدول المسماة بالمعتدلة، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية، عن اتفاقية كامب ديفيد، والتوجه صفا واحدا كأمة عربية للوقوف في مواجهة الصهيونية وأداتها إسرائيل، ولو دبلوماسياً، لوقف زحفها وعدوانها، وحتماً مجرد إلغاء اتفاقية كامب ديفيد ستجد إسرائيل نفسها ضعيفة فتركع تطلب السلام وفق الشروط العربية المتمسكة بقرار مجلس الأمن 242 أو حتى العودة إلى قرار التقسيم المعلن سنة 1948 الصادر من الأمم المتحدة، لأن الصهيونية لن تسمح بقيام أي مشاريع تنموية ذات أهمية تذكر تجعل من الدول العربية على الأقل في مستوى دولتي الهامش إيران وتركيا ما لم تكن هي داخلة فيها لتضمن ثباتها كدولة شرق أوسطية مهيمنة على المنطقة. لذا يجب أن يتوحد الموقف العربي ويواجه الصهيونية بصلابة وليس بالاستسلام.

مصر جديدة أجهضها الصهاينة فقد رصد “الصراف” أنه لو لم تبرم اتفاقية كامب ديفيد لأصبحت مصر اليوم دولة عظمى مع الدول العربية قاطبة بما لديها من موارد بشرية ومادية وموقع متميز يؤهلها لذلك. ولكانت إسرائيل أضعف مما هي عليه اليوم أو لقبلت بالشروط العربية ولربما انهارت.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s