تركيا والدخول إلى بوابة جديدة

يحق للأتراك أن يفتخروا بما فعلوه خلال ليلة الخامس عشر من تموز 2016 فقد واجهوا الدبابات والقصف الجوي بإرادة قوية وانتصروا على المحاولة الانقلابية بشكل عبر عن الإرادة الشعبية وجسد التلاحم والوحدة الوطنية حيث نزل إلى ميادين تركيا في 81 مدينة تركية كل فئات الشعب التركي من كافة الأحزاب والتوجهات.

وبالرغم من أن اختيار الدولة التركية لميدان ” يني كابي ” الذي يوافق معناه باللغة العربية ” بوابة جديدة ” ليس جديدا حيث احتشد قرابة مليون في يونيو من العام الماضي في ذكرى ال  562 لفتح القسطنطينية ووجهوا رسالة متعددة الوجهات لأمريكا و لأوروبا وللعالم الإسلامي الذي يحتفظ بقناعة إيجابية تجاه فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح عام 1452 إلا أن التجمع هذه المرة يبدو مختلفا وله طابع خاص.

هذه هي المرة الأولى التي لا يقتصر الحضور على أنصار حزب العدالة والتنمية وهذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها قائدي حزبين معارضين هما كمال كليتشدار اوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري و دولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية إضافة لزعيم الحزب الحاكم بينالي يلدرم مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في احتفال شعبي. لقد اقتصر الحفل السابق فقط على أحمد داود أوغلو رئيسا لحزب العدالة آنذاك وعلى الرئيس أردوغان أما هذه المرة فقد أدى فشل الانقلاب إلى ولادة روح جديدة أدت إلى جمع قيادة الحكومة بقيادة المعارضة على منصة واحدة.

بكل تأكيد يتمنى الشعب التركي أن تستمر هذه الروح الوطنية العالية حيث وقفت أحزاب المعارضة موقفا مبدأيا وإن كان لا يخل من حسابات واعتراضات إلا أنه بشكل عام كان موقفا مشرفا ، حيث أرسلت تركيا بقيادتها السياسية ( المتمثلة بالرئيس والحكومة والبرلمان والمعارضة) والعسكرية ( المتمثلة برئيس الأركان )والدينية ( المتمثلة برئيس وقف الشئون الدينية) رسالة للعالم كله، لم تكن هذه الرسالة هي رسالة حزب العدالة وحده وإن كان فيما يبدو أنه المستفيد الأكبر من هذه الأوضاع إن أحسن استثمارها فقد كانت رسالة تركيا كلها،  تركيا التي يقودها حزب العدالة والتنمية الذي زرع ثقافة الديمقراطية والوعي بها فجنى ثمرتها بوقوف الشعب معه ومن خلفه وبكل توجهاته، والذي استطاع أن يسمو عن الحزبية بعدم رفعه لأعلامه بل للعلم التركي فحسب واستطاع أن يكون مظلة للجميع.

ولعل السعد لا يكتمل كما يقولون فقد كان حزب الشعوب الديمقراطي الكردي غائبا عن المشهد حيث دعم نوابه بشكل مباشر وغير مباشر حزب العمال الكردستاني الذي نفذ عدة عمليات تفجيرية في تركيا وكان موقف الحزب بعد دخوله للبرلمان سلبيا تجاه الحكومة وتجاه عملية السلام التركية الكردية التي بدأها حزب العدالة والتنمية قبل عدة سنوات، لكن الحزب بالرغم من أنه لم يبد مسئولية عالية مما أغضب القيادة التركية منه أعلن موقفا ضد الانقلاب لكن هذا لم يشفع له ولم يقنع الرئيس التركي أردوغان بدعوة زعيمه لحضور الاجتماع مع زعماء المعارضة في القصر الرئاسي، ولا إلى الاحتفالية الكبرى في ” يني كابي”، ولعل هذا الأمر بحاجة إلى مراجعة من الحكومة التركية خاصة أن الأكراد مكون مهم من مكونات الشعب الكردي ويشعر كثير منهم بأن حزب الشعوب ممثل لهم وأول من يمثلهم كحزب داخل البرلمان بالرغم من تراجع شعبيته عن تلك التي حصل عليها في نوفمبر الماضي بنسبة كبيرة.

لم يكن الشعب التركي يعرف قبل شهر أن المليون شخص الذين اجتمعوا في العام الماضي في ذكرى فتح القسطنطينية واعتبروا رقما هائلا سيصبحون أربعة مليون أو خمسة مليون شخص بعد فشل الانقلاب ولم يكن أحد باعتقادي يتوقع ذلك حتى أولئك الذين نفذوا المحاولة الانقلابية الفاشلة أو أولئك الذين ساهموا في التخطيط أو تقديم الدعم لها أن تركيا ستحصل على مزيد من القوة بهذا الشكل ولو كانوا يعرفون لما قاموا بما قاموا به.

إن معامل الإرادة الوطنية في معادلة قوة أي دولة يضرب في حاصل مجموع القوة العسكرية والاقتصادية والجغرافية والسكانية وهي ما تتميز به تركيا  بمجموعه عن بقية القوى الإقليمية ولكن تركيا لكي تعبر من البوابة الجديدة تحتاج إلى أن تتخلص من شروط تحالفاتها التي تقيد طموحها ولعل الأوضاع الجديدة تسهم في فرض شروط جديدة ولكن أمامنا عدة سنوات لكي تترجم تركيا هذا الإنجاز على قوتها ونفوذها الإقليمي على الأقل وهو ما يقربها من البوابة الأبعد والطموح المرتبط بالماضي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s