التقشف والجوع: خطة السيسي للحفاظ على مصر

يحتل الفقر مكانة معتبرة في حيز الانشغال العالمي والبحث العلمي، وإن تباينت اهتمامات الباحثين بين معرفة المشاكل المترتبة والناتجة عن ظاهرة الفقر. الفقر ورد كتعريف في قاموس علم الاجتماع على أنه مستوى معيشي منخفض بالاحتياجات الصحية والمعنوية المتصلة بالاحترام الذاتي للفرد أو مجموعة من الأفراد، ويُنظر إليه نظرة نسبية بفعل ارتباطه بمستوى المعيشة العام في المجتمع وبتوزيع الثروة ونسق المكانة والتوقعات الاجتماعية، بينما يُعرف خط الفقر على أنه الحالة التي يكون الفرد فيها عاجزًا عن الوفاء بتوفير متطلبات الغذاء والملبس والمأوى الضروري لنفسه.

وبهذا فإن مفهوم الفقر يشير إلى غياب أو عدم ملكية الأصول أو حيازة الموارد أو الثروة المتاحة المادية منها وغير المادية، ففي حالة عدم القدرة على إشباع الحاجات البيولوجية كالأكل والملبس والمسكن بصورة كلية يُدرج هذا ضمن الفقر المطلق، بينما إذا كان النقص في مستوى إشباع الحاجات الأساسية وتدني مستوى المعيشة ونوعية الحياة وخصائص وقدرات الأفراد والجماعات داخل المجتمع ضمن ما يسمى بالفقر النسبي.

وبغض النظر عن التباينات العلمية في تعريف ظاهرة الفقر إلا أنه يظل في الأدبيات الاجتماعية والفلسفية مرادفًا للحاجة والعوز وصولًا إلى الحرمان، فكيف وصل الفقر إلينا في مصر.

منظومة الدعم لم تكن يومًا للفقير

يبلغ الدعم الحكومي بمختلف أنواعه ربع الإنفاق العام في الموازنة العامة للدولة. ويعد أكبر عنصري دعم هما، السلع التموينية 19%، والطاقة 72%. من المفترض أن يصل ذلك الدعم إلى الفئات أو الطبقات الكادحة في المجتمع إلا أن الواقع غير ذلك،فأغلب دعم الطاقة لا يذهب كما هو المفترض للفقراء والمحتاجين، لكن لأصحاب المصانع المعتمدة على الطاقة في تشغيلها كمصانع الأسمنت والحديد والألومنيوم والأسمدة والزجاج،حيث أن 65% من دعم الكهرباء يصل إلى المصانع، إضافةً إلى 75% من دعم الغاز الطبيعي، كما يصل 45% من دعم المواد البترولية إلى أصحاب المصانع، في حين أن 81% من استهلاك السولار يسيطر عليه أصحاب المصانع.

وعلى الرغم من أن الدعم لا يصل إلى مستحقيه، قد قررت الحكومة في عهد إبراهيم محلب تخفيض الدعم وزيادة أسعار الغاز الطبيعي وفق ثلاث شرائح، الشريحة الأولى والتي تستهلك حتى 25 مترًا مكعبًا بـ40 قرشًا للمتر المكعب، الشريحة الثانية والتي تستهلك من 25-50 مترًا مكعبًا بزيادة 100 قرش للمتر المكعب، الشريحة الثالثة فوق الـ150 مترًا مكعبًا بزيادة 150 قرش للمتر المكعب. وبذلك قد تم رفع الدعم عن فئة المواطنين في إغفال تام من الحكومة لأصحاب المصانع والأعمال الخاصة. فما العائد من تلك الخطوة؟!

رفع الدعم عن الغاز الطبيعي ساهم في توفير قرابة المليار جنيه، وذلك عندما تم رفع الدعم عن فئات المواطنين والتي يصل إليها ما يقرب من 35% من دعم الغاز الطبيعي فقط، فلماذا لم يتم رفع الدعم عن أصحاب المصالح والمصانع الخاصة في حين يصل إليهم 75% من الدعم؟!

إذا نظرنا إلى وضعنا الحالي أي بعد عامين من رفع الدعم عن الغاز الطبيعي سوف نجد أن حكومة شريف إسماعيل اليوم سوف تطبق سياسات توسعية في تخفيض الدعم، ولكن هذه المرة ليس لتوفير بعض المليارات في الخزانة العامة ولكن تطبيقًا لشروط قرض صندوق النقد الدولي. الأمر الذي دفع الدكتور مصطفى النشرتي إلى قول: صندوق النقد الدولي سيكون كارثة اقتصادية، وشروط القرض ستكون مجحفة.

الريف والفرصة الضائعة اليوم 

رُغم أنّ 57% من الشعب المصري يعيش في القرى، إلا أنّ الريف يظلّ معزولًا عن المشهد السياسي والمجتمعي. ما يزيد الأمور تعقيدًا، أن الحركة السياسية الحضرية تعاني من قصر النظر. تتبنّى رؤية حضرية خالصة للصراع، غير مهتمّة بمشاكل الريف حيث يعيش أغلب المصريين، وتظلّ مشاكلهم بعيدة عن قلب الصراع، وبالتالي يبتعدون هم عنه. إن قضايا الإصلاح السياسي، وحقوق الإنسان، والقطاع الأمني، مهمّة بالطبع. لكن الحركة الاحتجاجية السياسية يتوجّب عليها إضافة مكوّن مجتمعي ينظر إلى قضايا مثل الإصلاح الزراعي بعين الاهتمام، لتتمكّن من استقطاب الفلاحين كخطوة أساسية في اكتساب كتلتها الحرجة اللازمة لتحويلها إلى حركة وطنية حقيقيّة، وليست مجرّد حركة حضرية ضيّقة الأفق.

إن أوضاع أغلب الفلّاحين المصريين في تراجع مستمر لعقود طالت، وصل إلى ذروته مع إصدار قانون 96 عام 1992، والذي حلّ محل قانون الإصلاح الزراعي. حرّر القانون أجرة الأراضي الزراعية بعد أن كان لها حدّها الأقصى، وسمح لمالكي الأراضي بطرد المستأجرين فور صدور القانون، ملغيًا حقّهم في تجديد عقود الإيجار بلا نهاية. أدّى هذا إلى «تحكّم 0.05% من ملّاك الأراضي في 11% من الأراضي الزراعية. وأثر هذا القانون في مليون بيت ريفيّ، وهو ما يمثّل في ذلك الوقت 10% من تعداد السكّان».

هذا ما يجعل من الريف الفرصة الضائعة، فوسط النزاعات السياسية ينحدر الريف إلى مزيد من الفقر والتهميش. واليوم ينتظر الريف مزيدًا من سياسات التهميش في وسط سياسات التكيف الهيكلي التي ستتبعها الحكومة طواعيةً لشروط صندوق النقد الدولي.

الجوع من أجل الحفاظ على الأمن

أجرى مركز بروكينجز للدرسات والأبحاث دراسة تحت عنوان: «إعادة تفكير في العلاقات الثنائية بين مصر وأمريكا: كيف يهدد القمع الاستقرار المصري وما تستطيع أمريكا فعله» قام بها شادي حميد الباحث في العلاقات الأمريكية بالعالم الإسلامي والشرق الأوسط. وقد لفت الباحث الانتباه إلى  أن جدار الخوف الذي أسقطته ثورة 25 يناير يبدو أنه يُعاد بناؤه من جديد مشيرًا إلى طابع مختلف للقمع في مصر ما بعد 3 يوليو يعمل على جذب الحشد الشعبي وشحن أطياف من المجتمع؛ لتقبله على المعارضين بمساعدة ـ هيستريا الإعلام، التي جعلت أحد الليبرالين ينتقد إجراءات  الدولة ضد الإخوان المسلمين، ليست لأنها قمعية، ولكن لأنها غير كافية.

وقد أشار إلى أن السيسي حاول خلق نوع من الدعم الشعبي لإجراءاته القمعية من خلال وسائل الإعلام الخاصة والحكومية التي عملت على تشويه الإخوان والمعارضين ورسم السيسي على أنه المنقذ، تأتي ذلك في إطار إستراتيجية شمولية للسيسي تسعى لإسقاط الإخوان – الذين فازوا في عدد من الاستحقاقات الانتخابية بعد 2011 – كقوة مجتمعية واستهداف من يتعاطف معهم لتخويفهم مما يؤدي إلى حالة من الإنفصال عن المجتمع.

هذه السياسات القمعية ومحاولة إقناع الشعب بأن ذلك ينصب في مصلحته بدواعي الحفاظ على الأمن وتدعيم سياسات القبضة الأمنية، يساعد في سهولة تمرير السياسات الاقتصادية الأكثر تقشفًا وهو ما ظهر في رسائل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للشعب حين قال: «هنجوع ما نجوع إيه المشكلة يعني!».

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s