هل سينجح المغرب في تصفير مشاكله الإقليمية والدولية؟

حتى الأسابيع القليلة الماضية كان موقف أي دولة في العالم من القضية الوطنية الأولى,  الوحدة الترابية للمملكة, هو المحدد الأساس لطبيعة العلاقات  الدبلوماسية المغربية  في سياستها  الخارجية , لذلك عرفت الكثير من التشنجات سواء مع شخصيات بارزة أو مؤسسات فاعلة ومؤثرة  رسمية أو غير حكومية أو دول بعينها, لدرجة وصلت أحيانا معها حد القطيعة التامة التي استمرت لعقود, كما هو الحال مع الاتحاد الإفريقي ونيجريا أو كوبا كاسترو ومؤسسة كينيدي , كما عرفت علاقات استراتيجية عميقة  مع دول شقيقة و صديقة كدول الخليج العربي وفرنسا وأمريكا نظرا لعمق علاقاتنا التاريخية مع الأخيرة, رغم ما يكتنف موقف واشنطن من ضبابية بين الفينة والأخرى, رغم أن المغرب كان أول بلد يعترف لها باستقلالها عام  1787, وهو ما أشار إليه أوباما في خطابه الشهير بالقاهرة سنة 2009 .

استند المغرب في علاقته الخارجية الراهنة إلى ماض بعيد وقريب -عهد المولى اسماعيل 1727 1672نموذجا-. عز نظيره, حضرت فيه القوة والحكمة والهبة, وهو ما نلمسه من خلال  الأستاذ عبد الهادي التازي في كتابه ” التاريخ الدبلوماسي للمغرب – من أقدم العصور إلى اليوم”, إلا أن هذا المجد سينهار مع “معركة إيسلي” أمام الفرنسيين سنة 1844, وهنا سيعرف المغرب ما بات يعرف بصدمة الحداثة .

الصدمة كانت صدمات, عرت على واقع  اقتصادي متردي, ولأن من يسود  اقتصاديا يسود اجتماعيا وسياسيا, تراجع دور  المغرب الديبلوماسي,  وذلك ما ظهر  جليا في  عدة معاهدات مذلة كاتفاق لالة مغنية مع الفرنسيين سنة 1845 و اتفاقية مع الإنجليز1856 وغيرها, ليدخل المغرب  المرحلة الاستعمارية سنة1912  رافعا يداه من أي دور ديبلوماسي كما ينص الفصل السادس  من معاهدة الحماية “سيكلف ممثلو فرنسا  الدبلوماسيون والقنصليون بتمثيل المغرب وحماية الرعايا المغاربة والمصالح المغربية في  الخارج. ويتعهد  السلطان بألا يعقد  أي عقد ذي صفة دولية دون رضى سابق من حكومة الجمهورية الفرنسية”  وهو فصل   من     بين فصول أخرى يطرح عشرات الأسئلة المقلقة .

مع الاستقلال سنة1956, لنقل وجد المغرب نفسه مجبرا على السير في دوائر فرنسا وأمريكا ..ويعتمد السياسة الرأسمالية, ما جعله يمتن علاقته الديبلوماسية مع المعسكر الليبرالي, الذي كانت على العموم أغلب دوله مع استقلال المغرب (مؤتمر أنفا سنة 1943) كما أن موقفها من النزاع المفتعل في الصحراء المغربية,  حين طرح في المحافل الدولية تحديدا محكمة العدل الدولية سنة 1974م, كان أكثر إيجابية بالمقارنة مع أغلب الدول الاشتراكية إن لم نقل كلها, والتي دعمت الانفصال بالمال والسلاح ولم تتوان في تقديم مطلق الدعم الدبلوماسي الحقيقي للبوليزاريو حتى أصبحت القضية تناقش تحت البند السابع في أروقة الأمم المتحدة .

هذه التحركات المناوئة للوحدة الترابية – مع استحضار أنها مقدسة عند المغاربة وتحظى بإجماع داخلي – كانت كافية لوحدها لقطع العلاقات الديبلوماسية أو تجميدها, أو جعل التمثيل باهتا, حرصا على إبقاء شعرة معاوية مع بعض الحكومات, عساها تعدل عن قرارها, حتى وإن كانت نتائج هذا الحزم المغربي عكسية ومكلفة اقتصاديا  وتضيع استثمارات حقيقة هنا وهناك, لاسيما وأن المغرب بدأ يراهن على تنويع شركائه مؤخرا بالتزامن مع رغبته تصفير مشاكله إقليما ودوليا .

في هذا الإطار يمكن فهم الانفراج في العلاقات المغربية الجزائرية التي توقفت عندها وسائل إعلام البلدين, واستشفت من التهنئة التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة للملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش, ومن خلال تبادل الزيارات بين البلدين, ومحاولة تمتين العلاقات بين الشعبين الشقيقين في بعض المجالات الاقتصادية وإن كان الهاجس الأمني عراب باقي النقاط التفاهمية ,عساها تتوج مع مطلع السنة المقبلة بفتح الحدود المغلقة منذ سنة 1994م كما لمح مسؤولي البلدين , ومعها رب ضارة نافعة, فربما الهاجس الأمني يكون مدخلا وبداية لشراكة حقيقية بين الجارين الشقيقين, على أن يأخذ ملف الصحراء مساره الأممي بعيدا عن التجاذبات, لا سيما وأن الجزائر ما فتئت تدعي أنها ليست طرفا مباشرا في الأزمة  ولا معنيا بها –وإن كانت في قلبها- منذ افتعال المشكل .

في علاقته بالاتحاد الإفريقي والدول الفاعلة فيه كجنوب إفريقيا ونيجريا, المغرب مؤخرا قرر أن ينصت للمصالح الاقتصادية ويطبع علاقته معها, ومع هذا المحفل الإفريقي الذي يعتبر عضوا مؤسسا له, ويجاري أعداء وحدته الترابية في هذه المؤسسة بلغة اقتصادية ثم سياسية, عوض سياسة الكرسي الفارغ التي نهجها المغرب منذ أكثر من عشرون سنة تاركا المجال للانفصالين يقدمون مغالطات لا تنسجم لا مع الحقائق التاريخية ولا الشرعية الدولية التي لا تقدم تقرير المصير كما تفهمه البوليزياريو فقط بل تحرص على وحدة أراضي الدول لأعضاء كما ينص ميثاق الأطلسي.

في تقديرنا هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم, وليست القارة السمراء فقط, مع العلم أنه أي المغرب, لن يخسر شيئا, فالواقع على الأرض لا يرتفع بممارسته السيادة الكاملة على أقاليمه الجنوبية, في وقت تحاول ديبلوماسيته تقديم الملف بحلة جديدة أكثر اتزانا وعقلانية بعيدا عن دغدغة مشاعر عدد من الدول فاقتنعت فعلا بوجهة نظره,  وأثمر ذلك تغيير عدد من الدول موقفها  (مدغشقر بروندي روندا.. ) معتبرة مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كأرضية للحوار, خيارا واقعيا وحكيما لا غالب فيه ولا مغلوب, ونفس الشيئ بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية.

رغم تجدر العلاقات الثقافية المغربية مع دول أمريكا اللاتينية, ووجود الإطار القانوني  المتمثل في عدد من اتفاقيات الإطار  التي أبرمها الطرفان, إلا أن الجانب الديبلوماسي لم يرق لحجم التطلعات, ولم يعبد الطريق للتعاون الاقتصادي الأمثل ليضل الجمود هو المسيطر .

بلدان امريكا اللاتينية لم تعد حديقة خلفية لأمريكا الشمالية, والحالة ذاتها بالنسبة للمغرب في علاقته بشركائه التقليدين وخاصة فرنسا, من هنا يمكن فهم زيارة الملك محمد السادس للبيرو سنة 2004   واللقاء التاريخي الذي  جمعه بالرئيس البيروفي أنذاك، أليخاندرو طوليدو ، حين تولى قيادة بلاده ما بين سنتي 2001 و2006.

لقد صرح الرئيس الأسبق لوكالة المغرب العربي للأنباء على هامش مشاركته في حفل استقبال أقيم  بمناسبة الذكرى ال17  لحكم الملك قائلا: “نحن مدينون للملك محمد السادس بتحقيق التقارب الذي تعيشه اليوم بلدان أمريكا اللاتينية والعالم العربي” لقد “قام بعمل ينبغي أن تذكره الأجيال المقبلة تمثل في تحقيق الاندماج بين بلدان أمريكا اللاتينية والمغرب وباقي البلدان العربية”. وأضاف “أليخاندرو طوليدو” هناك “مغرب واحد موحد”  في إشارة لموقف بلاده من قضية الصحراء, وهي علاقات نموذجية لما يمكن أن تكون عليه مع باقي الدول الاخرى هناك .

عامة يتضح لنا أن المغرب يعيد ترتيب أوراقه داخليا, ويعيد رسم خريطة علاقاته الديبلوماسية خارجيا لتكييف أولوياته وأجندته مع الرهانات الدولية والإقليمية, تماشيا مع التحولات التي بات يشهدها النظام العالمي الجديد منذ انتهاء الحرب الباردة, خصوصا مع تشكل قوى جديدة, لا محال ستؤدي إلى وجود أقطاب اقتصادية أخرى لا تسير بالضرورة في فلك أمريكا وأروبا كالصين والهند والأرجنتين وتركيا وهي دول كلها عمقت معها المملكة علاقاتها وفتحت معها أوراشا كبرى ..  لأن المغرب مجبر على إعادة النظر في  في توجيه بوصلته الديبلوماسية, وتحالفاته التقليدية,  في أفق جعلها أكثر انفتاحا على هذه  القوى الإقليمية التي  باتت مؤثرة, إن لم نقل حاسمة  في توجيه مجريات الأحداث  العالمية كروسيا, إن نحن استحضرنا الطريقة التي حسمت بها ملف شبه جزيرة القرم, وطبيعة تواجدها على الساحة السورية.

على كل حال يمكن القول أن هناك نوع من الاجماع على أن السياسة الخارجية المغربية لم تعد  رهينة ملف الصحراء في الآونة الأخيرة, وهي العقبة الوحيدة التي كانت تمثل مسمار جحا بالنسبة للدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس في تطبيع علاقاتها مع الجميع , ما يجعلنا نقول – بنوع من الثقة – أن المغرب عمليا قادر على تصفير مشاكله الإقليمية والدولية, وبداية مرحلة جديدة أـكثر نضجا وإشراقا وحكمة وواقعية ويقظة, الأولوية فيها للاقتصاد وشعارها ” رابح رابح”  لتسريع وثيرة الجهاد الأكبر, بناء الدولة المغربية, وتحقيق التنمية الشاملة.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s