“ثورة” أردوغان على الانقلاب

بعد ساعات من المحاولة الانقلابية في تركيا يوم 15 يوليو، لم يتردد أردوغان وكبار المسؤولين في اتهام “فتح الله غولن”، وإن كان يرى فيه مراقبون مجرد أداة وواجهة لعملية انقلابية تفوق قدرات الحركة الحقيقة والمتخيلة.

يعيش في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ أكثر من عشر سنوات، زعيم حركة دينية إصلاحية تتبنى التعليم وخدمة المجتمع والحوار بين الأديان، ترتبط بشبكة واسعة من الشركات والمدارس وغيرها من المؤسسات في كثير من دول العالم.

كانت حركة “غولن” حليفا لرئيس الوزراء أردوغان وحزب العدالة والتنمية عندما تولى السلطة في عام 2002، ثم ساءت العلاقة بينهما بعد عقد من الزمن عندما بدا زعيم الحركة غير راضٍ عن قيادة اردوغان، واتهم مسؤولون في حزب العدالة والتنمية الحركة بمحاولة تقويض الحكومة من خلف الستار.

ويقول مسؤولون أتراك إن أتباع “غولن” تسللوا إلى كل مؤسسة في تركيا. وعلى هذا، أغلقت الحكومة الآلاف من المدارس والجمعيات الخيرية والنقابات وتعرض الآلاف من محامين وقضاة وشرطة وضباط وموظفين في الحكومة للتحقيق أو الإقالة أو الاعتقال.

لم يُعلن أي دليل، حتى الآن، للرأي العام التركي. هناك روايات وقصص واعترافات وتحقيقات والكثير من التخمين، ولكن ليس هناك الكثير من الإثباتات، على الأقل حتى الآن.

ليس سرا أن أعضاء وموالين لغولن شغلوا العديد من المناصب في مؤسسات الدولة على مدى عقود، وتضخم هذا في عهد العدالة والتنمية منذ عام 2002، فكان لتجربة أردوغان وحزبه التأثير الكبير في تمدد الحركة وتوسعاتها منذ أن كان رئيسا للوزراء.

الحركة تريد تخفف تركيا من العلمانية، والانتقال من الأنموذج الأوروبي “التحرر من الدين” إلى الأنموذج الأمريكي في الحرية الدينية، حيث تتنافس الجماعات على كسب القلوب والعقول.

وتشترك الحركة في كثير من الرؤى ووجهات النظر مع حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك التحول في السياسة الخارجية من الاعتماد على الولايات المتحدة وأوروبا وحدها إلى المشاركة العالمية، ما يسمونه “العمق الإستراتيجي”.

ركزت حركة “غولن” على تخطَي منافسيها في سوق الأفكار: في التعليم والإعلام والخدمات المصرفية. كانت تدعي أنها على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية الرئيسة، كما كانت ترغب في أن تكون مؤثرة ومن دون طموح سياسي، كما زعمت أول الأمر.

بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، تحولت الحركة من كونها مؤثرا مدنيا غير مسيَس إلى  طرف ينظم جهوده ويعبئ صفوفه ببراعة خدمة لحزب العدالة والتنمية. والعديد من أعضاء حزب العدالة والتنمية وأتباع حركة “غولن” جمعتهم أعمال وأهداف مشتركة ونجحوا في تحقيقها وإنجازها.

ومهم الإشارة إلى أن حركة غولن لم تتضخم في الفترة الأخيرة بسبب قدرة فتح الله غولن “الخارقة”، كما يدعي أنصاره، ولكن لاستفادتها من التوسع التجاري التركي في جميع أنحاء العالم تقريبا، وتحقق هذا في عهد حكم العدالة والتنمية.

 وهذا التوسع في الخارج عزز حضورها وثقلها داخل تركيا، اقتصاديا وثقافيا، بما سمح لها بتوليد الثروة وتحقيق أهدافها، سواء أ كان ذلك بدفع الجيش لئلا يتدخل في السياسة أم بالضغط من أجل الظفر بعضوية الاتحاد الأوروبي.

لقد كان يُنظر إليها على أنها منظمة مشبوهة منذ بدايتها. ليست هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها أمر باعتقال فتح الله غولن، كما إنها ليست المرة الأولى التي يُتهم بها أتباع “غولن” بالتآمر.

لكن ما أثار الريبة والكثير من الجدل هو امتدادات هذه الحركة وتوسعاتها وحجم اختراقها لمؤسسات الدولة وغموضها “الإستراتيجي”، فالجماعة تعمل في أكثر من 100 دولة وتنشط في عشرات المجالات. وشخصية زعيم الحركة غامضة جدا، فباستثناء تاريخ ميلاده، لا يمكن الحصول على إجابة مباشرة منه عن أي شيء، وهذا هو الغالب على أتباعه، كما علق أحد المطلعين على شؤون الحركة.

***

وقد تمكنت السلطة في تركيا من جمع المعلومات الاستخبارية حول الحركة منذ فترة، وحزب العدالة والتنمية هو أكثر الأطراف اطلاعا على شؤونها بسبب شراكتهم السابقة، وهذا يتيح له الظروف الملائمة لمطاردة الأتباع والأنصار، وهنا الإشكال: إنهم يتعارفون بشكل جيد، ما مكَنهم من الإضرار ببعضهم البعض، وهذا ما حصل.

فالحكومة التركية ربما تمتلك من الوثائق والبيانات والمعلومات والتفاصيل، المادية والفنية، ما يجعلها أكثر إلماما بخيوط الانقلاب ومعرفة بالمتورطين فيه.

وفي هذا يرى مطلعون أن “الذين اتهموا حركة “غولن” بالضلوع في الانقلاب هم إخوانهم وحلفاؤهم التربويون والثقافيون والسياسيون إلى وقت قريب. فقد ساهموا جميعا منذ 2003 في تشكيل حكومة قوية قادت حركة النهوض الجديد لتركيا ببراعة. إذ لم تكن جماعة الخدمة على وفاق مع الزعيم “نجم الدين أربكان”، ربما لطابعه الصدامي وحدته السياسية  واستفزازه لخصومه السياسيين أو العسكريين، داخل تركيا وخارجها. لذا وجدت جماعة الخدمة في أردوغان الزعيم السياسي المناسب، ووجد أردوغان في جماعة الخدمة الحاضنة الاجتماعية القادرة على تعويض قاعدة وجمهور حزب الفضيلة الذي ظل وفيا ومرتبطا روحيا ونفسيا بنجم الدين أربكان في حزب السعادة الذي أسسه بعد الانقلاب عليه”.

فجماعة الخدمة “كانت طرفا أساسا في بناء هذا المشروع النهضوي التركي الجديد، وهذا لا ينكره أنصار العدالة والتنمية، من المنصفين، كما لا ينكر كثير من أبناء جماعة الخدمة مجهود العدالة والتنمية، وكذا الطاقة القيادية الكبيرة التي تميز أردوغان، وقد ظهر للعالم الكثير منها في مواجهة الانقلابيين، برباطة جأش وشجاعة غير معهودة في حكام المشرق”.

وعلى هذا، فمنذ تولي حزب العدالة والتنمية زمام السلطة نشأ حلف غير معلن بين الحزب والجماعة، حصلت منه الحركة على الكثير من الامتيازات، من نواب ووزراء وحرية عمل وانتشار، مقابل تصويت أعضاء الجماعة للحزب.

واستطاع كثير من خريجي المدارس التي أنشأها فتح الله كولن أن ينفذوا إلى أجهزة الدولة لكفاءاتهم العالية، وقد ساعدوا حكومة العدالة والتنمية في تدبير شؤون السلطة في البداية.

فهذه الجماعة “تملك قاعدة عريضة من البيروقراطيين الذين نجحوا في اختراق أجهزة الدولة في تركيا (الشرطة و القضاء)، وسهلوا بالتالي عملية إقصاء المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية عبر قضايا ومحاكمات “إيرغونيكن” و”المطرقة”. كما إنها تملك قاعدة من رؤوس الأموال الإسلامية قوامها رجال الأعمال العصاميين ذوي الميول المحافظة الذين يطلق عليهم لقب “نمور الأناضول”، والذين كان لهم دور في نمو الاقتصاد التركي خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، ودور في تحقيق أردوغان و حزبه لانتصارات كبيرة في انتخابات 2007 و2011”.

وكان الخلاف حول معاهد التحضير للامتحانات الجامعية بداية خروج الخلاف إلى العلن، فقد أعلنت الحكومة نيتها تغيير نظام الامتحانات وتحويل هذه المعاهد إلى مدارس خاصة ضمن مشروع تطوير النظام التعليمي.

وبما أن الحركة تملك ما يقرب من ربع هذه المعاهد التي تُدرَ عليها أموالا طائلة وتتيح لها فرصة ثمينة لاستقطاب فئة الشباب، فقد تعاملت مع الأمر بحساسية، وأعلنت تحديها للقرار الحكومي ورفضت الانصياع للقرار.

لكن يبقى أن “قضية المعاهد الدراسية ليست سوى قمة جبل الجليد الطافية على السطح الذي يخفي الكثير من القضايا العالقة بين الطرفين، في جو من انعدام الثقة بين الطرفين، يبدو أنه ما زال مستمرا في التفاقم يوما بعد يوم”، استنادا لرواية مراقبين.

ووفقا لأحد المطلعين على شؤون الحركة، فإنه “يمكنك أن تقول أشياء كثيرة عن حركة غولن ولكن لا يمكن القول إنهم غير منظمين. والانقلاب كان سيئ التصميم والتنفيذ، ولهذا فإن الانقلاب يتعارض مع أهدافها وهيكلها التنظيمي”، هذا انطباعه يشاركه فيه الكثيرون.

لكن رواية أخرى تقول: في ليلة 15 يوليو بدأ الانقلاب ضد أردوغان من قبل مجموعات غولانية في عدد من وحدات الجيش التركي، لكنه سرعان ما تحوّل في 16 يوليو إلى انقلاب أردوغاني مضاد أطاح بالآلاف من مناصري أو مقربي أو متعاطفي حركة “خدمة” وزعيمها المنفي طوعاً في بنسلفانيا، من مؤسسات الدولة جميعها، أو هي حملة “تطهير”، كما يراه كثيرون، بدأها أردوغان صبيحة الانقلاب الفاشل، إذ أصدر سلسلة من القوانين (أهمها قانون إعلان حالة الطوارئ العامة لمدة ثلاثة أشهر دعمه فيه بقوة الحزب القومي ولم يؤيده الحزب الجمهوري ورفضه الحزب الكردي) والقرارات والأنظمة لتصفية مؤسسات الدولة من أتباع غولن.

ويُشار إلى أن “حملة التطهير” هذه قادت إلى العثور على مستندات سرية في أدراج مكاتب الجنرالات ومدبري الانقلاب، وثمة حديث عن تورط دوائر أجنبية، لكنَ الأمر لا يزال غامضا ومن المبكر الجزم بشيء الآن.

وربما أحد أهم عوامل فشل الانقلاب “هو مسارعة أردوغان وحكومته إلى الإعلان عن أن زعيم الانقلاب هو فتح الله غولن، وأن الانقلابيين لا يمثلون الجيش بل هم مجموعة متمردة تنقلب حتى على قيادة الجيش نفسها وتعتقل بعض أركانه. لقد أجاد أردوغان استغلال كره معظم الشعب التركي لغولن وشكوكه بامتداداته المخابراتية الدولية، لاسيما الأميركية والأوروبية. وقد ساهمت الحملة المكثفة التي شنها أردوغان ضد غولن على امتداد أكثر من ثلاث سنوات وإسباغ صفات الخيانة والإرهاب والعمالة عليه وعلى أتباعه، في توحيد الأتراك ضد الانقلاب”.

***

فإذا لم تكن جماعة “الخدمة” طرفا سياسيا، وتفتقر إلى الرؤية والقيادة السياسية، فكيف تمارس السياسة مع الافتقاد إلى أدواتها، كما لم تدخلها من أبوابها، إلا إن كانت فعلا كيانا موازيا؟

يبدو أنها تورطت في مستنقع آسن وسلكت طريقا مريبا غامضا زج بها في متاهات التحريض والتأليب.

ولكن مما تبين، فالظاهر أن القضية أبعد وأعمق من مجرد خلاف محلَي بين حلفاء سابقين فرق بينهم تضارب الخيارات وسوء التقدير والتدبير، فأن يقع الخلاف بين أطراف تحالف سياسي في بلد ما: “فهو أمر معتاد في ظل أنظمة ديمقراطية، لكن أن يتحول الخلاف إلى تناقض، ثم إلى حمل السلاح، والتورط في انقلاب عسكري ضد الخصم السياسي، فهو الذي يثير الدهشة والاستغراب”، كما كتب أحد المطلعين على العلاقة بين الطرفين.

إذ ليس لغولن رؤية سياسية، أو على الأقل ليست معروفة، وحتى تصوره الفكري الإسلامي يغلب عليه الجانب الوعظي السلوكي الفردي. ويقول من يعرفه إنه لا تكاد تظفر عنده بأي طرح سياسي إلا بما له علاقة بالخلاص الديني الفردي، أو ربما كلام عام، لكن ما حصل أن الانقلاب دبره عسكريون ليسوا بعيدين عن تأثيره، كادوا يقذفون تركيا إلى جحيم المجهول والانقسام وربما التناحر، وهذا ليس بالأمر الهين.

وما يراه مراقبون أن جماعة “الخدمة” ارتكبت أخطاء سياسية فادحة، كلفتها وستكلفها ثمنا باهظا، عدلا وتجاوزا. ومنها إصرار كثير من أعضاء الجماعة إلى اليوم على شن حملة إعلامية شرسة على أردوغان وحكومته المنتخبة والتحريض عليها.

ومع الإقرار بقلة المعلومات الدقيقة في مثل هذه الحوادث، يبدو أن حركة “كولن” غلب عليها الانفعال والانتقام واستبدَ بها الثأر والاندفاع الأهوج وأوردتها الهشاشة السياسية والتورط في المستنقعات المهالك، فأساءت التقدير والتدبير والتصرف.

أما “التورط المباشر في الانقلاب، عن سبق تخطيط وإصرار وتنسيق مع قوى داخلية عسكرية وبيروقراطية وسياسية، أو قوى خارجية أو غرفة العمليات الدولية، بتعبير منصف المرزوقي، فالكلام في هذا الموضوع يحتاج إلى معلومات دقيقة وقرائن. وحتى الآن ليس معروفا إن كانت الحكومة التركية تملك بينات وإثباتات ضد جماعة الخدمة، ويبقى صاحب الاختصاص في الموضوع هو الأجهزة القضائية المختصة دون تعسف في استعمال الحق أو تجاوز لما ينص عليه القانون”، كما علَق أحد المطلعين ممن له علاقة بكلا الطرفين.

ولكن، لا يتصور متابعون أن حملة الحكومة التركية، مهما كانت مسوغاتها، قادرة على اجتثاث جماعة الخدمة، حتى وإن صودرت ممتلكاتها ومقراتها وأُغلقت مدارسها واعتقل منتسبوها، لأنها جزء من مكونات الشعب التركي.

وثمة تخوف من أن يدفع التوسع في تلك الإجراءات الردعية إلى “انبثاق خطاب متطرف داخل جماعة الخدمة يتغذى من المظلومية والإهانة والحصار الذي تتعرض له الجماعة، ويصعب التحكم في مساراته واتجاهاته”.

ثم إن المضي في طريق اجتثاث جماعة الخدمة، وعدم الاكتفاء بملاحقة المتورطين منها، قد يفضي إلى تدمير حاضنة اجتماعية وتربوية مؤثرة أسهما بقدر معتبر في نهوض البلد، وقد يظهر الأثر الكارثي للاجتثاث لاحقا، وسيكون أول المستفيدين من عمليات الاجتثاث أعداء تركيا الناهضة في الداخل والخارج.

***

وأصل القصة في أن الغرب يرى في يقظة تركيا الحديثة عودة جديدة للعثمانيين، كما يصفهم، ولديها كل مقومات النهوض القوي المتحرر من أغلال التبعية، وهذا ما يتخوف منه ويحاول كبح جماحه، وعلى هذا، فالانقلاب يصب في مصلحة الغرب ابتداء.

إذ الغرب لا يريد نظاما ناجحا على أبوابه، بل يريده تابعا خاضعا، وكان من الممكن التغاضي عن نجاحه إن تمكنوا من توظيفه غربيا، أي أن تكون تركيا مثل اليابان أو كوريا الجنوبية: دولة بلا شخصيه تدور في الفلك الأمريكي.

ما يدركه المتربصون أن أردوغان لا يريد أن يكون تابعا للغرب، ويتطلع لأن يوظف نجاح تجربة العدالة والتنمية السياسية والاقتصادية، إقليميا ودوليا، وهذا خط أحمر أمريكي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s