مصر تخنق الفقراء وتستخدم الأمن أداة لإنقاذ الاقتصاد

لا تخطئ عين من اعتاد التجول في الأسواق المصرية ملاحظة ضعف حركة البيع والشراء فيه، وتذمر كل من التجار والمشترين على حد سواء؛ فالارتفاع الكبير في الأسعار الذي تأثر تأثراً ملحوظاً بارتفاع سعر الدولار، كان بمنزلة القشة التي قصمت ظهر الطبقتين المتوسطة والفقيرة بالمجتمع المصري.

فبعد وصول سعر الدولار إلى ثلاثة عشر جنيهاً في السوق السوداء، خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليؤكد أنه لا يمكن التعامل مع الدولار كسلعة، وأنه بصدد اتخاذ تدابير تدفع من يخزن الدولار لبيعه في البنوك.

هذه التصريحات أكد محللون واقتصاديون أنها إشارة إلى أن صندوق النقد الدولي وافق على إعطاء مصر قرضاً بقيمة 21 مليار دولار على ثلاث سنوات، فضلاً عن حصول الحكومة على معونات من دول الخليج، وهو ما يعمل على خفض سعر الدولار مؤقتاً.

تلك الزيادة في الأسعار، بالإضافة إلى ضريبة القيمة المضافة التي فرضتها الحكومة على كثير من السلع، من شأنها أن تفاقم مشكلات المواطن المصري، لا سيما من هم تحت خط الفقر، وتزيد من أعبائهم.

– كساد السوق

“الناس بتيجي تسأل على سعر البضاعة ومحدش بيشتري”، بتلك الكلمات عبّر محمد عوض، تاجر فاكهة وخضراوات بالقاهرة الكبرى، عن سوء الأوضاع التي يعاني منها، وتدهور عملية البيع والشراء بالسوق المصرية.

وأشار في حديثه لـ”الخليج أونلاين” إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار مسّ المواطن والتاجر على حد سواء، لافتاً إلى أن تكلفة النقل والتخزين أكثر من نصف سعر المنتج.

وأوضح عوض أن سعر الفاكهة ارتفع الشهر الماضي أكثر من 60%، وأن تلك الزيادة وصلت 100% في بعض المنتجات، لافتاً إلى أن الفواكه والخضراوات حتى تصل إلى المواطن تزيد أكثر من 80% عن سعرها الذي حصل عليه التاجر من المزارع.

وتابع قائلاً: “أما الفاكهة المستوردة؛ كالتفاح والموز وأنواع أخرى، فزاد سعرها كثيراً بعد الارتفاع الكبير في سعر الدولار”، مردفاً: “لا أستبشر خيراً بذلك الارتفاع الكبير في الأسعار؛ فالمواطن المصري لا يستطيع تحمل تلك الأعباء الاقتصادية”.

وبيّن أن الحد الأدنى لسعر كيلو الفاكهة متوسطة السعر التي كان يُقبل عليها المواطن المتوسط الحال وصل 15 جنيهاً، بعدما كان سعر الكيلو ستة جنيهات، ملمحاً إلى أن سعر الخضراوات ارتفع بشكل ملحوظ أيضاً، وانخفض الإقبال عليه.

وأردف عوض: “فالفاكهة تعد بالنسبة إلى كثير من المواطنين سلعاً ترفيهية لا يُقبل عليها متوسط الدخل يومياً، وأسعار اللحوم والدواجن التي تُعد من الأطعمة الأساسية ارتفعت بشكل جنوني، ما دفع كثيرين لشراء هياكل الدجاج وعظام الأبقار؛ لعدم تحملهم تلك الأسعار المرتفعة”.

– زيادة التضخم

الخبير الاقتصادي سرحان سليمان لفت في حديثه لـ”الخليج أونلاين” إلى أن نسبة التضخم ارتفعت في مصر، ووصلت إلى 14%، ما يعني أن القدرة الشرائية للمواطن تنخفض شهراً بعد شهر، وتزداد الشريحة التي تدخل تحت خط الفقر.

وذهب للتأكيد أن التضخم وصل في العديد من السلع الأساسية التي تهم المواطن الفقير إلى 70% خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن تلك المؤشرات ستؤدي إلى ارتفاع نسبة الطلاق بشكل جنوني، وارتفاع نسبة الجريمة، وأنها كلها مؤشرات تدل على حالة الاكتئاب الحاد والتدهور في النسيج الاجتماعي.

– انخفاض وهمي للدولار

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن سعر الدولار ارتفع بشكل كبير في السوق المصرية؛ بسبب نقصه وزيادة الطلب عليه، مشيراً إلى أن القروض والودائع الخليجية المتوقع أن تحصل مصر عليها عبارة عن “مخدر”، للتأثير في سعر الصرف بشكل مؤقت.

وأردف قائلاً: “ما يحاول النظام المصري فعله ليس علاجاً دائماً، وإنما لتقليل قيمة الدولار لتصل إلى عشرة جنيهات، بعدما اقترب سعره من الأربعة عشر جنيهاً”.

وأوضح سرحان أنه من المتوقع أن ينخفض الدولار، ولكنه انخفاض وهمي لفترة مؤقتة، لأنه من أموال تم اقتراضها وليس من زيادة الإنتاج المحلي أو من زيادة الموارد من الدولار المحلي.

– نظام الجباية

وشدد الخبير الاقتصادي على أن تحريك الاقتصاد يكمن في زيادة الإنتاج وتنشيط السياحة والاستثمار المحلي والخارجي، قائلاً: “الأزمة هي أن مصر تعتمد على السياسة النقدية وليس السياسة الاقتصادية”.

وبيّن أن ديون مصر الخارجية تمثل ثلث الموازنة، وأنها تتبع نظام “الجباية”؛ أي سد عجزها عن طريق فرض الضرائب، وأن النظام يعتمد في حل مشكلاته على العقول القديمة ذات الفكر الراديكالي، الذي يعالج المشكلة بمشكلة.

وألمح سليمان إلى أن ضريبة القيمة المضافة التي فرضتها الحكومة مؤخراً تؤثر سلباً على الطبقة الفقيرة، ولا تمس الطبقة الغنية.

– عداء مجتمعي

كما أشار إلى أن الموافقة على صندوق النقد الدولي يعني أن الحكومة تغض الطرف عن الفقراء، وهو ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطبقة الثرية والفقيرة، متابعاً: “هناك ضوء أخضر، وتأكيد على حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي، والحصول على الشريحة الأولى منه نهاية العام الجاري”.

وبيّن سرحان أن من شروط صندوق النقد عدم زيادة الأجور، وهو ما يتفق مع سياسة الحكومة الحالية، الأمر الذي سيؤدي إلى العداء الاجتماعي، وازدياد معاناة المواطنين، مؤكداً أن الحكومة ليس لديها خيار سواه؛ لأن لديها التزامات بسداد قروض خارجية تصل إلى ثمانية ملايين دولار، وليس لديها مورد سوى ذلك القرض.

وتابع سليمان قائلاً: “من المتوقع بعد استلام مصر للشريحة الأولى من القرض أن يرتفع التضخم من 18% إلى 20%، وأنه بمجرد تسلم الشريحة الأولى من القرض ستنخفض قدرة المواطن في الحصول على السلع”.

وألمح إلى أن تلك الإجراءات من شأنها أن تخلق عداء مجتمعياً داخلياً بين الطبقات المختلفة، وبين المواطنين، والحكومة لن يهمها ذلك، ولن تحاول تجاوزه.

وذهب سليمان إلى القول بأن الأوضاع الاقتصادية متردية وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ما أدى إلى انغلاق المواطن على حل مشكلاته وهمومه، وعدم استطاعته مواكبة ارتفاع الأسعار، متابعاً: “ورغم ذلك فمصر بعيدة عن الإفلاس”.

وأردف: “النظام في مصر لا يسقط بثورة جياع أو تردي الاقتصاد؛ إذ إن له قواه الاقتصادية الخاصة به، فهو قائم على أعمدة القضاء والشرطة والجيش، الذين لا يتأثرون بسوء الأوضاع الاقتصادية، بل تزيد رواتبهم بشكل مستمر، وإن سقوط النظام يتم بسقوط قوته الدافعة”.

وشدد سليمان على أن سعر الدولار في مصر يتأثر بالأخبار، وإعلان الرئيس أن سعر الدولار سينخفض تأكيدٌ أن الحكومة متأكدة من أنها ستحصل على القرض الدولي والودائع الخليجية.

– الدولار سلعة

في السياق ذاته، أشار الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إلى أن السيسي لكونه غير متخصص اقتصادياً، أخطأ في حديثه عن أزمة الدولار عندما طالب بعدم التعامل معه كسلعة تُباع وتُشترى.

وأوضح، في حديثه لـ”الخليج أونلاين”، أن العالم أجمع يتعامل مع الدولار كسلعة تُباع وتشترى، متابعاً: “كما أن حديث الرئيس يؤكد أن لديه معلومات قوية أن هناك كماً كبيراً من الدولارات سيتم ضخها في السوق المصرية قريباً”.

وأردف عبده قائلاً: “مصر تنتظر قرض صندوق النقد الدولي، كما أن بعض الدول الخليجية أعطت مصر مبلغاً كبيراً من شأنه أن يزحزح الأزمة الدولارية في مصر”.

– الإجراء الأمني لا يكفي

وشدد عبده على أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها مصر لمواجهة الأزمة، واقتحام عدد من مكاتب الصرافة ومصادرة الأموال بها لا يكفي، قائلاً: “الحل الأمني وحده لا يُجدي، ولا بد من تدخل البنك المركزي لضخ دولارات لسد احتياجات السوق”.

كما لفت الخبير الاقتصادي إلى أن “الفتوى التي صدرت بتحريم الاتجار في الدولار لن يكون لها صدى في الشارع، بعدما فقد الأزهر والأوقاف دورهما”، متابعاً: “كما أن الوازع المادي أقوى من الوازع الديني بالمجتمع المصري، مستبعداً أن يلجأ النظام المصري لإغلاق شركات الصرافة لمواجهة الأزمة.

وأكد أن انخفاض سعر الدولار لن يكون وقتياً أو يعمل على تسكين الأزمة لفترة زمنية، قائلاً: “المعونات التي وصلت من دول الخليج بعد 30 يونيو/حزيران 2013 كانت لإسعاف الاقتصاد المصري المنهار، أما الوضع الآن فمختلف، وسيعمل على إنعاش السوق وتخفيض سعر الدولار”.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s