القمة العربية في نواكشوط.. لعلها تكون الأخيرة

رغم النبرة المتفائلة لمسمى “قمة الأمل” وهو الاسم الذي أطلق على قمة نواكشوط إلا أن البون شاسع بين ما يحمله هذا الأمل من توق للمستقبل وما ينطوي عليه الواقع العربي من مرارة وتردي.

وهذا البون تحديدا هو الذي يضمن لقمة نواكشوط مكانتها المتأصلة في تقاليد القمم العربية القائمة على ثنائيات المحن العربية ومقابلات ابتلاءات العرب، هذه الثنائيات التي تبدو جلية في التناقض بين الأمل المنشود والفشل المعاش وبين النظام العربي الرسمي الذي يبشر بهذا الأمل الزاهر على طريقة غودو والشعوب العربية الساخطة اليائسة من واقع الفشل والتخلف والتجزئة والاستبداد.

هي ذي الثنائيات التي حكمت العمل العربي منذ دولة “الاستقلال” الى الآن بقممها ومشاريعها المجهضة وجعجعتها ومنابرها الولادة وعودا والعقيمة أفعالا، ولم تكن قمة انواكشوط لتخرج عن هذه الثنائيات وتشذ عن القاعدة بل جاءت تكريسا لها وربما بأبلغ الصور وأبشعها. فنحن لسنا أمام قمة استثنائية وإنما أمام تكرار لتاريخ عربي حافل بالثنائيات التي تسطر ذاكرة انفصال الطبقات الحاكمة عن شعوبها ومفارقة الأنظمة لمواطنيها على نحو يفرض فيه الحكام خطابا متفائلا لتبرير بقائهم في الحكم بينما يعكس واقع الشعوب حقيقة مناقضة هي نتاج فشل الحكام وسياساتهم. لهذا فإن قمة الأمل لا تستثني كونها قمة الفشل بل بالأحرى المسميان يكملان بعضهما البعض ويشكلان معا الصورة العامة للواقع العربي من وجهة نظر المستفيدين المتفائلين من رؤساء وملوك وأمراء ومن وجهة نظر المغبونين من شعوب وقبائل حكم عليها ألا تتعارف أبدا. لا فرق إذن بين قمة الأمل وقمة الفشل اذا وضعنا قمة نواكشوط في سياقها التاريخي والعربي ولم نغرق في التفاصيل حتى نفقد الإطار العام الذي تتنزل فيه.

ولعل الشيء الوحيد الذي يميز هذه القمة عن سابقاتها ليس كسر هذه الثنائية أو تجاوزها وإنما إعادة ترتيب طرفيها على نحو لم يعد فيه النظام الرسمي العربي قادرًا على المحافظة على أطره الشكلية التي تُجمِّله وتضمن شرعية وجوده وفاعلية خطابه بينما انفلت الوضع العربي المرير من السيطرة ولم يعد بالإمكان التستر عليه أو التحكم في مرَدتِه وشياطينه. الجديد في نواكشوط هو انهيار قدرة النظام العربي على الإخراج الجيد لعمله السياسي الميت أصلا وفشله في ضمان المشهدية المعهودة التي درج على تقديمها في مناسبات القمم العربية الماضية حتى يستمر في إعادة انتاج وهم تماسكه وحضوره لدى الشعوب العربية. ومع تراجع قدرة الحكومات العربية على تعليب الحلم لبيعه في مناسباتها الدبلوماسية من ناحية وتعاظم ارتدادات ذلك على الواقع الذي يتشظى اجتماعيا ودينيا وطائفيا مهددا بزوال هذه الحكومات، مع هذا الاختلال في الثنائيات التقليدية للعمل الرسمي العربي دشنت قمة نواكشوط الانتقال من المشهدية والفرجة إلى مرحلة التشييع والجنائزية ومن مرحلة الحلم إلى مرحلة الفشل والأخطر من هذا وذاك الانتقال من مرحلة تماسك السلطة في الوطن العربي إلى مرحلة تفتت الدولة القطرية بعد فشل هذه الحكومات في احتواء انعكاسات تراكم فشلها على واقع الشعوب. ويمكن رصد هذا التحول الجذري في الثنائيات التي أرست وجود الدولة القطرية العربية كمشروع سلطوي قائم على قدرة الحكومات على تمويه الواقع وتجميل نفسه، يمكن رصده من خلال الأحداث التالية التي رافقت مجريات القمة وتعتبر نذرا بينة لانفراط عقد البناء الرسمي العربي. إن أول بوادر انهيار منظومة الإخراج الجيد للمنسابات الدبلوماسية العربية يمكن رؤيته في التمثيل الضعيف لرؤساء وقادة الدول العربية في قمة نواكشوط. وقد يذهب بعض المحللين إلى القول بأن غياب أكثر من ثلثي القادة العرب عائد إلى تردي البنية الخدمية في العاصمة الموريتانية أو إلى ما زعمه بعض هؤلاء القادة من أن المنظومة الأمنية ليست بالكفاءة المطلوبة لضمان أمنهم لكن واقع الحال يشير إلى أبعد من ذلك حيث أن انهيار أهم ركن في مشهدية القمم العربية والمتمثل في نسبة حضور الرؤساء له علاقة وطيدة بانهيار النظام الرسمي العربي ولا يمكن أن يفهم إلا ضمن هذه العلاقة الاستراتيجية الناظمة لبنية الدولة العربية الحديثة. وتتجلى هذه العلاقة مثلا في غياب الرئيس المصري الذي وبالرغم من حديث الصحافة المصرية عن عدوله عن الذهاب الى موريتانيا بسبب اكتشاف مخطط أمني لاغتياله إلا أن حضور شخصيات بارزة أخرى للقمة لها نفس أعداء السيسي تفند هذه الادعاءات الأمنية. حقيقة الأمر هي أن غياب السيسي لا يفهم إلا في إطار التحديات التي يواجهها نظامه وتحول البلد الذي يحكمه من دولة عربية متماسكة رغم مشاكل التخلف التي تعتصرها مثل غيرها من الدول العربية إلى دولة فاشلة. شغور مقعد الرئاسة المصرية في خيمة نواكشوط هو في جوهره انعكاس لعدم استقراره وثباته في قصر الرئاسة في القاهر نتيجة للانقسام السياسي الذي أحدثه انقلابه وللتدهور الأمني والتراجع الاقتصادي والفتنة الاجتماعية والدينية التي تمخضت عنه. ولم يكن السيسي ليفرط في دخول نواكشوط دخول “الأبطال” ويهدر التغطية الإعلامية العربية والمحلية والمصرية كما تقتضي طقوس المشهدية العربية لو أنه كان مطمئنا على كرسي الرئاسة في بلده وواثق أن ما حدث ضد عدوه في تركيا لن يتكرر ضده في مصر.

وبما أن القادة العرب يدركون أكثر من غيرهم أهمية تعهُّد القمم العربية والحرص على حضورها كإطار رسمي لا غنى عنه لبقائهم في سدة الحكم، فإن السيسي لم يكن ليفرط في نواكشوط لو أنه لم يكن على يقين بأنه يرأس بلدا على حافة الفشل أو هو شبه فاشل نتيجة لتصدع بنيته الحاكمة وللاضطرابات الاجتماعية التي تمور من تحتها.

وما يسري على السيسي يسري على غيره ممن غاب من الزعماء وإنْ بأساليب ودرجات متفاوتة؛ فهم إما فقدوا حكم بلدانهم التي عمتها الفوضى أو لم يعودوا يحكمون إلا جزءا منها أو هم ينتظرون ذات المصير المؤجل إلى حين.

مثال آخر أكثر طرافة وإن لم يكن أقل رمزية وتعبيرا عن ثنائية تفكك المشهدية العربية وانهيار النظام العربي يتعلق بالمواجهة المشهورة بين فا(عو)ر لبنان وفار موريتانيا. وهي المواجهة التي أصبحت عنوانا لفشل القمة والمناكفات التي صاحبتها ولم تنته بانتهائها. الجناس الناقص بين الوزير اللبناني “فاعور” و”فار” موريتانيا هو تجسيد لما آل إليه العمل الدبلوماسي العربي والنهاية الهزلية المضحكة للبنية المشهدية التي تركزت عليها كل القمم العربية. ولا يتعلق الأمر هنا بإجهاض مشاركة وفد عربي في قمة عربية على يد فأرٍ شاردٍ نزق في أحد فنادق نواكشوط بالرغم من بلاغة تلك الدلالة إلا أنه يعيدنا إلى الوضع في لبنان وأزمة الحكم فيه وما يتنازعها من ولاءات إقليمية ودولية تركت البلد دون رئيس أولا ودون حكومة شرعية ثانيا.

وهو كذلك يعود بِنَا حتى إلى التوليفة الطائفية لاتفاق الطائف التي جعلت البلد تجسيدا صارخا لفشل الدولة العربية الحديثة على نحو مُشرَّع ومقبول وطنيا وإقليميا ودوليا. لا، بل إن حالته الشاذة هذه أصبحت نموذجا يُراد لدول عربية أخرى أن تهتدي بهديه وأن تتخلى عن أي أمل في الوجود كدول ذات سيادة تتسع لمواطنيها دون تمييز طائفي أو مذهبي، وأن يعيشوا بكرامة وبمنأىً عن ابتزاز ملوك الطوائف. إن المواجهة بين فاعور والفأر تعتبر نتيجة هزلية ومتوقعة لغياب الدولة في هذا البلد العربي الذي أصبح نموذجا للتفتت والتقسيم إلى حد أن مفهوم “اللبْننة” أصبح مصطلحا يقاس به مقدار فشل الدول وتشتتها.

المثال الثالث هو حدث انعقاد القمة ذاته في نواكشوط وما رافقه من خيبات ومفاجآت غير سارة تحدث عنها الكثيرون وانتقدها أهل البلد بحدة تجاوزت نبرة المجاملات التي تعاطى بها الكتاب والمعلقون العرب معها. نستطيع أن نسرد قائمة طويلة من إخفاقات الحكومة الموريتانية وفشلها الذريع في توفير الحد الأدنى من الخدمات والضيافة اللائقة للوفود العربية، بدءا بخيمة إفطار الصائم التي باتت عنونان لفشل القمة ومرورا بانعدام المرافق الخدمية من فنادق ومطاعم وبنية تحتية عصرية وانتهاء بالتنظيم السيء والفوضوي الذي كان أكثر وضوحا من أن تخطئه العين وقد أثر سلبا على كافة مراحل الحدث الذي استمر ليوم ونصف، على اعتبار أن القمة سبقها انعقاد الاجتماع الوزاري العربي في قصر المؤتمرات في نواكشوط.

لكن هل لنا أن ننظر إلى فشل قمة نواكشوط بصفته حدثا معزولا ونكتفي بتندر الإخوة العرب على حال موريتانيا ومرارة انتقاد الموريتانيين لأوضاع بلدهم المزرية أم علينا أن نرى عجز البنية الخدمية الموريتانية في توفير المطلوب “لنجاح” القمة ضمن منظور أعم وأشمل يتعلق بسبب اختيار موريتانيا لاستضافة القمة أولا وعلاقة ذلك القرار ثانيا بانفراط عقد مشهدية القمم العربية من ناحية وانهيار النظام الرسمي العربي من ناحية ثانية.

أرى أن الخيار الثاني هو الذي يفسر كيف أن قمة نواكشوط بدت أشبه بحفل عزاء لوفاة الدبلوماسية العربية وطي صفحة القمم الاستعراضية، لا لشيء إلا لأن النظام العربي لم يعد كما كان وإنما بات في تصدع وزوال هو الآخر. إن العلاقة بين القمم العربية الاستعراضية ومقدرة النظام العربي على البقاء والمحافظة على تماسكه هي الثنائية التي شاهدنا انهيارها في نواكشوط، ولم يكن اختيار هذه العاصمة العربية لأداء هذا المشهد إلا تحولا آخر مهما في تقاليد الدبلوماسية العربية. فلا يخفى على أي متابع للشأن العربي أن احتضان مقر الجامعة العربية تماما مثل استضافة القمم العربية تعتبر من بين الأرصدة السياسية والدبلوماسية المهمة التي لا تمنح عادة إلا الدول العربية الأكثر تأثيرا ونفوذا إما بفضل مقدراتها الذاتية كما هو الحال بالنسبة لبعض الدول أو بفضل الدعم الخارجي بالنسبة لبعض الدول الأخرى.

لكن أيا كان مصدر النفوذ فإن احتضان مقرات ومناسبات العمل الدبلوماسي العربي ظلت حكرا على “الكبار” الحقيقيين أو الوهميين وما كان لها أن تحيد عن ذلك المسار لو أن وضع النظام الرسمي العربي ما يزال متماسكا كما كان. أما وقد غدت هذه الدول المؤثرة دولا فاشلة أو على شفى هوة الفشل فإن خيار انعقاد القمم العربية يجب أن ينتقل إلى الدول الفقيرة التي وإن كانت قد فشلت تنمويا وأخفقت في تحديث نفسها إلا أنها حافظت على انسجام مجتمعاتها واستقرار أنظمتها السياسية. ولا يعني هذا التحول أن العرب يبحثون بأي حال من الأحوال عن إنقاذ منابرهم الدبلوماسية المشتركة إذ لم تكن هذه المنابر منذ نشأتها ذات قيمة ولم يرد لها ذلك وإنما يعني هذا التحول أن انتقال العربية إلى هذه الدول التي لم تدخل بعد مدار القرن الواحد والعشرين هو إعلان لوفاتها بعد تفكك الأنظم العربية الرئيسة التي رعتها واستفادت منها بعد أن وصل الحال إلى تقسيم وفشل عدد من هذه الدول.

بهذا المعنى يشيع حلم حكام العرب في زمن البدايات تحت خيمة في قلب الصحراء الموريتانية ويبقى الأمل في أن يتمخض عن وفاته ميلاد أمل حقيقي يراهن على نبض الشعوب وتطلها للكرامة بدل أحلام المستبدين الذين يسّاقطون تباعا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s