لماذا يحب الغرب حركة غولن؟

ميدل إيست مونيتور – إيوان24

في مقال بصحيفة نيويورك تايمز، كتب الرجل وراء محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا، فتح الله غولن، ما يلي: “في الوقت الذي تبحث فيه الديمقراطيات الغربية عن الأصوات الإسلامية المعتدلة، أنا وأصدقائي في حركة “حزمت” اتخذنا موقفًا واضحًا ضد العنف المتطرف، من هجمات 11 سبتمبر إلى عمليات الإعدام الوحشية من قِبل تنظيم الدولة الإسلامية إلى عمليات الخطف من قِبل بوكو حرام”.

ويُعرّف غولن حركته بأنها “صوت إسلامي معتدل “مقارنة بالحركات الإسلامية العنيفة” حول العالم. انتشر هذا التعريف في الخطابات الأكاديمية والعامة في الغرب، وخاصة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وتعكس بعض عناوين الكتب المؤثرة بشأن الموضوع هذا الاتجاه: “نحو تنوير إسلامية: حركة غولن”. “الإسلام وبناء السلام: مبادرات حركة غولن”. “بيت الخدمة: حركة غولن والطريق الثالث للإسلام”. وهلم جرّا.

وبالتالي فإنّه ليس من المستغرب أنَّ غراهام فولر، النائب السابق لمجلس الاستخبارات الوطني في وكالة المخابرات المركزية، طرح السؤال التالي وأجاب بنفسه: “نحن نتحدث عن قضية حاسمة: أي نوع من الحركات سوف تمثّل مستقبل الإسلام؟ هل داعش؟ هل تنظيم القاعدة؟ هل جماعة الإخوان؟ فيما يتعلق بالحركات الإسلامية، أود أن أصنّف حركة “حزمت” على رأس قائمة المنظمات العقلانية المعتدلة والبنَّاءة اجتماعيًا والمنفتحة. إنها ليست طائفة أو مذهب خاص؛ بل تقع مباشرة في صلب تحديث الإسلام.” منطق فولر ليس استثناءً في الغرب؛ بل يعكس المكانة الأخلاقية الرفيعة التي يدعيها الغرب عندما يتعلق الأمر بالإسلام عمومًا وحركة غولين بشكل خاص.

في وسائل الإعلام الغربية السائدة، حركة غولن و “الإسلام المعتدل” لديهما تقريبًا نفس المعنى. كل تقارير مراكز الأبحاث وكذلك الكتب المذكورة أعلاه تؤكّد وجهات النظر “المعتدلة والحديثة” التي يتبناها غولن ومعارضته للعنف، والثناء على “منظمته غير الهادفة للربح التي تعزز السلام والتسامح والحوار بين الأديان”.

لماذا أصبح ذلك هو التفسير شبه المهيمن لحركة غولن في الغرب؟ نحن نرى أنَّ هذا هو الحال في الغالب لأنّه يجعل ثنائية “المسلم الصالح” و “المسلم الشرير” ممكنة ومتصوّره. وقد أوضح محمود ممداني أنَّ هذه الثنائية هي المفتاح الذي يكون من خلاله الغرب قادرًا على الهيمنة على المجتمعات الإسلامية. وهذا يصبح أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بكيف يستخدم الغرب الحركات “الإسلامية” العنيفة في الهيمنة على المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال، قال باراك أوباما في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر 2014: “لقد حان الوقت أن يرفض العالم – خاصة المجتمعات الإسلامية – أيديولوجية منظمات مثل القاعدة و داعش”.

مطالب أوباما وأوامره من وإلى المجتمعات الإسلامية تذكّرنا بما أكّده ميشيل فوكو في كتابه الكلاسيكي “المراقبة والمعاقبة” حول طريقة العمل والمنطق للهيمنة على المجتمع الأوسع. يرى فوكو أنَّ “فاعل العقاب يجب أن يمارس السلطة الكاملة، التي لا يمكن لطرف ثالث أن يعيقها؛ فمن أجل تهذيب الفرد يجب أن يكون خاضعًا للسلطة التي تُمارس عليه.” ولكن هذا هو الحال فقط للسجناء وراء القضبان، على الرغم من أنَّ السلطة تميل” لتغطية الجسد الاجتماعي برمته.” ما وراء جدران السجن، يمكن للأفراد ألّا يكونوا “خاضعين تماما”، ومن ثمّ تكون ممارسة “القوة الكاملة” على المجتمع كله مستحيلة. في هذه المرحلة، يتحوّل الأسرى إلى فاعلين لممارسة السلطة في الهيمنة على المجتمع بأسره.

أما بالنسبة لمدى “استقلالية” الأفراد المنضبطين في المجتمع من قِبل السجناء، تجدر الإشارة إلى أنَّ غالبية المسلمين الذين لا يلعبون أي دور في أعمال العنف لا زالوا منضبطين عن طريق وجود المسلمين العنيفين. وهذه هي الطريقة الرئيسية التي يعمل من خلالها “المسلم الشرير” في عالم يسيطر عليه الغرب. عند هذه النقطة، يدخل “المسلم الصالح” المشهد. وبدون التعبير المتكرر عن كينونة المسلمين غير العنيفين لا يمكننا إنتاج هوية يستطيع من خلالها المسلمون العاديون إثبات صدقهم.

وعلى هذا النحو، فإنَّ وجود أمثلة مقبولة تحترم الحداثة الغربية يساعد على تجنب الارتباك الذي يواجهه المسلمون العاديون أثناء إدانة الجماعات العنيفة. حركة غولن هي واحدة من الأمثلة المعروفة لهذه الجماعات الإسلامية التي تعزز “السلام والتسامح والحوار بين الأديان”، واحترام القيّم الغربية المعارضة للأساليب العنيفة.

المعايير والخطابات

واحدة من الطرق التي ترتبط بها حركة غولن بالعالم الغربي الأوسع هي قدرتها على التواصل مع المعايير الغربية للحكم العالمي الليبرالي. لقد كانت الحركة حريصة دائمًا على التكيّف مع الآليات الغربية الليبرالية التعاونية لحل المشاكل، مثل معايير الاتحاد الأوروبي. وهناك نقطة معينة من الصراع مع صنَّاع القرار بحزب العدالة والتنمية في تركيا يساعد غولن على وصف الحركة كشريك يقاسم الغرب تلك القواعد والمعايير. وقد كان هذا هو الحال بصفة خاصة في مجالات السلام وتسوية النزاعات.

كلما اختار حزب العدالة والتنمية التعاون مع أصحاب المصلحة الإقليميين الذين يتقاسمون وجهات نظر أيدولوجية، فضّلت حركة غولن النهج الغربي في حل النزاعات. لا شيء يدل على ذلك أفضل من النزاع الذي اندلع بسبب هجوم إسرائيل على أسطول الحرية “مرمرة مافي” في عام 2010، مما أسفر عن مقتل تسعة نشطاء أتراك. في حين سارعت إسرائيل إلى التأكيد على أنَّ حكومة حزب العدالة والتنمية كانت في طريقها لمواءمة تركيا مع حركة حماس وحزب الله وإيران، انحازت حركة غولن على الفور وبشكل لا لبس فيه إلى الحليف الاستراتيجي للغرب، إسرائيل.

ومن الضروري أن نتذكّر أن الثنائيات مثل الإنسانية العلمانية مقابل الهمجية الدينية أو الظلامية مقابل الحداثة ليست ألعاب لغوية تعكس الواقع الخارجي ولكنها ممارسات وسياسات أدائية إنتاجية نوعًا ما. وهذه مسألة حيوية أخرى تجمع بين الغرب وحركة غولن من خلال قدرة هذا الأخير على استغلال وتكرار الخطابات الغربية وأنظمة حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية. تمتلك الحركة شبكة عالمية في مجالات مختلفة مثل التعليم، والأعمال التجارية ووسائل الإعلام التي تروّج استطراديًا وتستنسخ هذه الأنظمة. قدمت خطابات ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عن الأمن العالمي و “الحرب العالمية على الإرهاب” تحت رعاية الدول الغربية والولايات المتحدة فرصة ذهبية للحركة لتحدد موقفها في معارضة الهوية الإسلامية المزعومة لجماعات الإسلام السياسي والسياسات الأمنية البديلة.

طبيعة التمكين لهذا الانفصال الخطابي هو أنَّ حركة غولن تبنت بنجاح السرديات الغربية عن الغيريّة وخطابات انعدام الأمن. وهذا بدوره ساعد الحركة في السعي لشراكة مع حوكمة أمنية مهيمنة على أساس الهوية والسياسات الغربية المشتركة، كما هو الحال بالنسبة للأيديولوجية الأمريكية لتعزيز الديمقراطية. وهنا عمل التمثيل الخطابي لحزب العدالة والتنمية والسياسة الخارجية التركية المثيرة للجدل في الشرق الأوسط (من الدعم السياسي لحركة حماس إلى مزاعم حول تركيا كبوابة لعودة المقاتلين الأجانب) كاستراتيجية هامّة أثّرت في تشكيل علاقات الذات / الآخر بين غولن، وحزب العدالة والتنمية والغرب.

كانت هذه العلاقات تحقق نتائج سياسية ملموسة. ويبدو أنَّ حركة غولن أدركت ذلك وتأكّدت أنَّ الهوية السياسية لحزب العدالة والتنمية منذ فترة طويلة تمّ تعزيزها وفقًا لخطاب الغيريّة الذي ظهر لمواجهة المنظمات المسلّحة المتطرفة. ومن خلال هذه الاستراتيجية الناجحة، يبنى الغرب صورة طبق الأصل في هوية الحركة في حين يصوّر حزب العدالة والتنمية كحزب مخادع يدعم الإرهابيين المتطرفين.

إنّه من خلال الفرضيات المذكورة أعلاه يتفاخر بعض النقّاد الغربيين مثل جون تورس، أستاذ العلوم السياسية في كلية لاجرانج في جورجيا، أنَّ تسليم غولن إلى تركيا “من شأنه أن يؤدي إلى أكثر من سجنه أو إعدامه، فقد يكون مؤشرًا لموت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، نظرًا لأنَّ المسلم المعتدل لن يكون قادرًا على الثقة في الولايات المتحدة بأن تفعل ما هو صحيح. الثنائية الأخيرة، “حركة غولن المتحضرة مقابل حزب العدالة والتنمية اللا إنساني”، التي انتشرت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا هي مجرد استراتيجية خطابية أخرى تبيّن لنا كيف أنَّ السياسة الدولية هي كل ما يتخيّله الناس في الغرب.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s