حرب “الأوقاف” و”الأزهر” للسيطرة علي الخطاب الديني في مصر

محمد جمال – إيوان24

“تطوير الخطاب الديني”، عبارة ترددت كثيرا من انقلاب 3 يوليه 2013 بهدف السيطرة على المؤسسات الدينية والائمة بما لا يسمح سوي بتمرير ما تريده السلطة، ولكن صراعا دب بين الأوقاف المصرية ومؤسسة الازهر مؤخرا حول من له سلطة الامر والنهي لتوجيه الخطاب الديني، خاصة في المساجد وأئمتها وخطابها.

أحدث مظاهر هذا الصراع على زعامة الخطاب الديني، ظهرت أمس الجمعة بتصاعد النزاع بين وزارة الأوقاف والازهر حول احقية ايهما في الاشراف على خطبة الجمعة بمساجد مصر، بعدما فرض وزير الأوقاف خطبة موحدة على أئمة المساجد يقرؤونها من ورقة مكتوبة، ورفضت هيئة كبار العلماء بالأزهر ذلك.

وكلف وزير الأوقاف مختار جمعة، وكلاء وقيادات الوزارة بمتابعة تنفيذ قراره بتطبيق «الخطبة المكتوبة» خلال خطبة الجمعة اليوم، ومعاقبة الائمة المخالفين، وذلك رغم إعلان هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رفض هذا القرار شكلا ومضمونا.

Cohm9RTUAAADKgZ

وخصصت وزارة الاوقاف، خطبة الجمعة المكتوبة الموحدة عن «النظافة سلوك إنساني متحضر»، وقامت بنشر نصوص الخطبة على موقعها الإلكتروني، حتى يطلع عليها الأئمة، فيما حدد الجامع الأزهر خطبة الجمعة بالجامع الأزهر اليوم الجمعة عن “الوحدة الوطنية وحقوق المسيحيين في الإسلام”، ما يعكس تصاعد الصراع بينهما.

وفيما قالت مصادر بوزارة الاوقاف لـ “إيوان 24” أن وزير الاوقاف أصدر تعليمات لقيادات الوزارة بعدم الرد على “ملاسنات” الازهر التي ترفض قراره الخاص بالخطبة الموحدة، مؤكدا لهم أنها خطة بحثها مع الرئيس السيسي، أكد الدكتور محمد زكى، الأمين العام للجنة الدعوة بالأزهر: “إن جميع الأئمة والدعاة في الجمهورية تابعون دعويا للأزهر حتى أئمة “الأوقاف” أنفسهم.

وقال “زكى” أن: الأزهر هو المؤسسة الكبرى في العالم، ومن المفترض أن تكون وزارة الأوقاف تابعة له ولقراراته لأنه المؤسسة الأم”، واصفا قرار وزير الأوقاف بشأن تطبيق الخطبة المكتوبة بأنه “قرار غير مؤسسي وخاطئ، وكان ينبغي عليه الرجوع إلى الأزهر لأخذ رأيه”، بحسب قوله.

وزير الاوقاف: ليس صراعا

وحاول وزير الاوقاف التخفيف من الازمة في مقال نشره على موقع الوزارة أمس الجمعة بعنوان “ليس صراعا“، في إشارة لخلافه مع الازهر، قائلا: “إن تعميم موضوع الخطبة المكتوبة التي تسعى وزارة الأوقاف إلى تطبيقه ليس صراعًا مع أحد، ولا ينبغي أن يكون”.

وحرص الوزير علي وصف نفسه في المقال بانه “وزير الأوقاف المصري وعضو مجمع البحوث بالأزهر الشريف”، ليشير لأنه ابن الازهر، كما حرص على القول إن “زمن القهر قد ولى دون رجعة”، في إشارة لتأكيد الازهر ان الاوقاف تابعة لها على ما يبدو.

وبرر الوزير “الخطبة المكتوبة” بأنها “تحقق مصلحة شرعية ووطنية معتبرة في إطار خطة ومنهجية شاملة لنشر الفكر الإسلامي المستنير وكبح جماح الفكر المتطرف وحرمانه من أي محاولة لاختطاف الخطاب الديني مرة أخرى … واسترداد ما اختطف منه في عام الإخوان الأسود”.

وخالف كثير من أئمة المساجد وزير الأوقاف في الخطبة الماضية، بعدما خرجوا على موضوع الخطبة الموحدة المقررة من الوزارة، وتجنبوا القراءة من ورقة مكتوبة مثلما فعل الوزير في حين استنكر مصلون فكرة توحيد خطبة الجمعة، وأوقفت الوزارة بعضهم ثم أعادتهم كنوع من العقاب.

وزير الأوقاف: الخطاب الديني من حقنا

وقال محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، أمس الخميس، “إننا ماضون في تطبيق خطبة الجمعة الموحدة المكتوبة لما فيها من مصلحة شرعية ووطنية معتبرة، حيث تسن قراءة خطبة الجمعة من الصحيفة عند الحنابلة، وأن تكون الخطبة أقصر من الصلاة عند الشافعية”.

وأوضح وزير الأوقاف أن “المادة السادسة من القانون رقم 272 لسنة 1959 تؤكد حق وزارة الأوقاف في الإشراف على المساجد وتنظيم شئونها الإدارية والدعوية، سواء فيما تم ضمه للأوقاف أو ما لم يتم ضمه، وهو ما أكده حكم محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية الصادر بتاريخ 28 / 12 / 2015” بحسب قوله.

الأزهر: نحن الأحق

5758

وكانت هيئة كبار العلماء بالأزهر أعلنت بدورها أحقيتها، ورفضت الخطبة المكتوبة، وقالت عقب اجتماع بمقر مشيخة الأزهر الشريف الثلاثاء الماضي أنه “اضطلاعًا بدور الأزهر الذي حدَّده له الدستور المصري بأنه المسؤول عن الدعوة الإسلامية، قرَّرت الهيئة بالإجماع رفض الخطبة المكتوبة”.

واعتبرت هذه الخطوة “تجميدًا للخطاب الديني”، مُؤكِّدة أن “الأئمة يحتاجون إلى تدريبٍ جاد وتثقيف وتزويدهم بالكتب والمكتبات؛ حتى يستطيعوا مواجهة الأفكار المتطرفة والشاذَّة بالعلم والفكر الصحيح، وحتى لا يتَّكئ الخطيب على الورقة المكتوبة وحدها؛ مما سيُؤدِّي بعد فترة ليست كبيرة إلى تسطيح فكرِه وعدم قدرته على مناقشة الأفكار المنحرفة والجماعات الضالة التي تتخذ الدِّين سِتارًا لها”.

جارديان: الأزهر وجه صفعة للحكومة

وقد وصفت صحيفة “الجارديان” البريطانية رفض هيئة كبار العلماء، أعلى مرجعية دينية تابعة للأزهر الشريف، الإجراءات الجديدة التي كشفت عنها الحكومة المصرية مؤخرا فيما يتعلق بتوحيد خطبة الجمعة والتي تُعرف بـ “الخطبة المكتوبة”، على أساس أنها “ستجمد” عملية تطور الخطاب الديني، بأنها “تعد بمثابة توبيخ للحكومة المصرية”.

وقالت الصحيفة إن مبادرة الخطبة الموحدة التي أطلقتها وزارة الأوقاف المصرية، الهيئة الحكومية التي تشرف على تنظيم وإدارة المساجد ودور العبادة، قد لاقت انتقادات واسعة كونها أحدث الخطوات التي اتخذتها الحكومة للسيطرة على الخطاب الديني.

ميدل ايست آي: “تسطح” أفكار الأئمة

ووصف موقع ميدل إيست آي البريطاني، خطبة الجمعة المكتوبة بأنها “تسطح أفكار الأئمة”، مشيرا لوجود مخاوف أن تؤدي “خطبة الجمعة المكتوبة” المجهزة مسبقا بأمر من وزارة الأوقاف في مصر إلى عملية تسطيح فكري للأئمة.

واعتبر بيان الازهر أيضا بمثابة “توبيخ للحكومة المصرية، بعدما رفض الازهر أعلى هيئة علماء دين في مصر الإجراءات الحكومية الجديدة بتوحيد خطبة جمعة مكتوبة، واعتبار تلك الخطوة من شأنها “تجميد” أي تطور في الخطاب الديني.

لصالح من؟

ولا يختلف الازهر أو الاوقاف على الهدف من السيطرة علي الخطاب الديني، ولا على الهدف من وراء وهو لصالح سيطرة السلطة على المساجد والخطب والعمل الاسلامي، ولا يعدو الامر منافسه بين الفريقين على تنفيذ ما طالبهم به الرئيس السيسي.

ومنذ انقلاب 3 يوليه 2013، وعزل الرئيس السابق محمد مرسي أصبحت وزارة الأوقاف والازهر من الأدوات الرئيسية في صراع نظام ما بعد يوليه 2013 مع جماعة الإخوان المسلمين، وعمدت وزارة الاوقاف إلى السيطرة على المجال الديني في مصر كمحاولة لتقليم أظافر الجماعة بنزع أحد أهم أسلحتها، ألا وهو الدعوة الديني.

بالمقابل تولي شيخ الازهر وبعض العلماء الموالين للسلطة تقديم الفتاوي الدينية الجاهزة لتبرير قتل وإعدام المعارضين، وفصل مئات الائمة والدعاة وأساتذة جامعة الازهر وتشريد الطلاب واعتقالهم.

وكان أول قرار اتخذته وزارة الاوقاف حينئذ هو قرار توحيد موضوع خطبة الجمعة، وزعم الوزير في مؤتمر صحفي إن الخطبة الموحدة لا تهدف إلى فرض قيود أخرى على الحريات الدينية، ولكنها محاولة لإبعاد الجوامع عن الصراعات السياسية والحزبية.

ثم أعلن وزير الاوقاف “مختار جمعة” في سبتمبر 2013 تسريح قرابة 50 ألف إمام من العاملين بنظام المكافأة، بدعوي “منع تسخير المنابر للترويج لمواقف سياسية”.

كما أصدر الوزير قرارا بمنع صلاة الجمعة في الزوايا والمساجد التي تقل مساحتها عن ثمانين مترًا، بالإضافة إلى السماح لأئمة الأوقاف فقط بالخطابة يوم الجمعة، تبعًا للقرار بقانون الخاص بتنظيم الخطابة، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور قبيل تركه منصب.

كما اتبعت الوزارة معاييرًا متشددة لضمان عدم اعتلاء المنتمين للإخوان والمعارضين للمنابر مرة أخرى.

وجاء قرار الوزارة الأخير بتوحيد الخطبة “مكتوبة” ليثير موجة غضب وانتقادات واسعة بين أوساط الأئمة والخطباء العاملين بوزارة الأوقاف، الذين سخروا من “الخطيب أبو ورقة” الذي قد يثير سخرية المصلين لقراءته الخطبة من ورقة تحمل “املاءات الحكومة عليه”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s