عملية اجتثاث جذور فتح الله كولن من تركيا

المونيتور – إيوان24

إذا كان المرء يحتاج إلى تعريف ما يجري في تركيا في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، إلى جانب اعتقال الانقلابيين، فهذا مصطلح دقيق: اجتثاث جذور فتح الله كولن من تركيا. تمامًا مثل عملية اجتثاث جذور حزب البعث في العراق بعد الاحتلال، فإنَّ الهدف من ذلك هو تطهير القطاع العام كله من كادر يعتبر عدوًا للدولة.

أولًا، دعونا نرى كيف وصلت تركيا إلى تلك المرحلة. التسلل داخل مؤسسات الدولة من قِبل حركة فتح الله كولن – وخاصة المؤسسات الاستراتيجية مثل أجهزة الشرطة والقضاء والجيش – هي حقيقة استند إليها الصحفيون العلمانيون على مدى عقود. وعندما جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، ذهب التسلل إلى أبعد من ذلك، نظرًا لاعتبار أردوغان فتح الله كولن حليفًا رئيسيًا.

مع هزيمة العدو العلماني المشترك، بدأت هذه القوى الإسلامية في الهجوم والاستياء من بعضها البعض. وكان حزب العدالة والتنمية يمتلك شرعية الدعم الشعبي، بينما كان أنصار كولن لديهم ثقة في أنفسهم أنهم يعرفون كل شيء على نحو أفضل.

وعندما اندلعت الحرب السياسية بين هاتين المجموعتين في أواخر عام 2013 مع تحقيقات في قضايا الفساد بتخطيط من أنصار كولن، اتخذتُ موقفًا غير منحاز: كان الفساد حقيقيًا، لذلك كان على حزب العدالة والتنمية أن يكون صادقًا بشأن هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه، كان من الواضح أن أنصار كولن قد خلقوا “دولة موازية” داخل الدولة التركية وكان لا بُدّ من تطهيرها، ولكن يجب احترام “الجناح المدني” المتمثل في (المدارس، والجمعيات الخيرية، ووسائل الإعلام والموارد الاقتصادية). ومن بين القادة السياسيين في ذلك الوقت، كان عبد الله جول هو الوحيد الذي يدعم هذا الموقف. ولكن بعد محاولة الانقلاب الدموية في 15 يوليو، من المستحيل متابعة مثل هذه الفروق الدقيقة في تركيا. حتى “مؤسسات المجتمع المدني” التابعة لحركة كولن يتم الاستيلاء عليها من قِبل الدولة، لأنها تعتبر أرضًا خصبة للجماعات الوهمية، والجانب المظلم داخل الدولة.

يجب أن نفهم السبب في هذا التطهير الشامل أولًا قبل أن ننتقده. يمكن القول إنَّ مؤامرة انقلاب 15 يوليو كانت أكبر هجوم على الأمة التركية منذ تأسيسها في عام 1923. لم يحدث ف أي انقلاب أو محاولة انقلاب سابقة أن تمّ قصف البرلمان أو سحق المواطنين بالدبابات. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الحكومة، إلى جانب رئيس الأركان ومنظمة الاستخبارات الوطنية، وجميع الأحزاب المعارضة الرئيسة ووسائل الإعلام العلمانية السائدة، والعديد من الصحفيين المعارضين لأردوغان ومعظم المنظمات غير الحكومية، جميعهم يتفقوا على أنَّ هذا الانقلاب كان عملية مدبرة من أنصار كولن، كمحاولة أخيرة لإسقاط أردوغان، الذي أصبح العدو الأول لأنصار كولن.

قد يتساءل المرء لماذا لا ينعكس هذا التوافق الوطني في تركيا في وسائل الإعلام الغربية. جوابي هو أنّه في حين أنَّ سلطويّة أردوغان صارخة وواضحة، فإنَّ عمليات أنصار كولن دائمًا ما كون سريّة، تخفيها العلاقات العامة الناجحة، وإنكار التورط. وهذا هو السبب في أنَّ الكثير من الصحفيين الغربيين مازالوا يعتقدون أنَّ المشكلة الوحيدة في تركيا هي أردوغان وأنَّ كل من يعارضه هم من “الأخيار”. حتى هذا الموقف يجعلهم منفتحين على نظريات المؤامرة المناهضة لأردوغان، مثل أنه دبّر الانقلاب للحصول على الدعم السياسي، وهو أمر مثير للسخرية نظرًا لحقيقة أنَّ الانقلاب تمّ تنظيمه بشكل جيّد وكاد أن ينجح.

بطبيعة الحال، ستظهر الحقيقة في نهاية المحاكمات العادلة، كما كتبتُ في صحيفة نيويورك تايمز. ولكن حتى في هذه المرحلة، فإنَّ الدولة التركية لديها الحق في الدفاع عن نفسها من خلال الإطاحة بالأفراد المشتبه في أنهم أعضاء في شبكة أنصار كولن. لكنَّ كون الفرد عضوًا في الحركة بحد ذاته لا يمكن أن تعتبر جريمة. ومن هنا، أتفق مع بيرم أوغلو، الليبرالي العلماني البارز الذي كشف عن “الدولة الموازية” للمرة الأولى في عام 2010 والذي كان ينتقد أردوغان في الآونة الأخيرة أيضًا. كتب بيرم أوغلو:

“لا مناص من أنَّ الموظفين الحكوميين الذين تدور حولهم الشبهات بكونهم من أنصار كولن سيتم نقلهم إلى مناصب غير حساسة أو ستتم إقالتهم. وسيكون من الطبيعي التشريع لهذه الغاية. لكن هذا المنطق لا يمكن استخدامه في عمليات المقاضاة. لا يمكن تجريم العمل في مؤسسات أنصار كولن أو أن يكون للفرد علاقات مع أنصار كولن أنفسهم. كون الفرد عضوًا في حركة كولن ليست جريمة أيضًا. إنَّ الجريمة هي أن تكون ضمن منظمة غير شرعية تقوم بإجراءات غير قانونية. ومع ذلك، ينبغي تأييد مبادئ مثل افتراض البراءة والمسؤولية الجنائية الفردية.”

ولكن هل ستدعم الحكومة هذه المبادئ حقًا، رُغم انزعاجها وغضبها من أنصار كولن؟

هناك بعض العلامات المثيرة للقلق. أولًا وقبل كل شيء، التقرير الذي صدر مؤخرًا عن منظمة العفو الدولية يشير إلى أن بعض المشتبه بهم قد تعرّضوا للتعذيب والاغتصاب، وهذا أمر مرعب. يجب على الحكومة أن تمنع كل هذه الجرائم ضد المعتقلين، بغض النظر عن مدى ذنب وجُرم المشتبه بهم، و “إعطاء المراقبين المستقلين فرصة مقابلة المعتقلين”، كما طالبت منظمة العفو الدولية.

ثانيًا، من بين المعتقلين الآن مجموعة من الصحفيين الذين كتبوا في وسائل الإعلام الموالية لكولن، إما أنهم من أنصار كولن أنفسهم أو مجرد خصوم لأردوغان ليس لديهم اتصال ديني مع الحركة. هذا أمر غير مقبول، ما لم تكن هناك علامات خطيرة على علم الصحفيين بمؤامرة الانقلاب والمساعدة فيها. ومن الأخبار السارة أن أحد هؤلاء الصحفيين، المدافع الشهير عن حقوق الإنسان أورهان كمال جنكيز، الذي ليس لديه علاقات دينية مع أنصار كولن، تمّ الإفراج عنه بعد احتجازه لمدة ثلاثة أيام.

ثالثًا، من الواضح أنَّ هناك حالة مزاجية غاضبة بين مؤيدي أردوغان، قد تحوّل محاكمة مؤامرة انقلاب إلى حملة قمعية لكل “الخونة”، التي قد تشمل بسهولة جميع منتقدي أردوغان. يجب على الحكومة ألّا تستسلم لهذا الحماس، أو تستفيد منه. بل على العكس من ذلك، ينبغي أن تستخدم هذه الفرصة لبناء توافق ديمقراطي واسع في تركيا.

يمكن لوسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والحكومات الغربية مساعدة تركيا في هذه الفترة الحرجة من خلال الدعوة لضبط النفس والالتزام بالقانون وانتقاد انتهاكات حقوق الإنسان. ولكن من أجل أخذ ذلك بعين الاعتبار، يجب عليهم أولًا فهم شدة مؤامرة الانقلاب وتعقيد المجموعة الدينية التي يبدو أنها وراء ذلك.

المصدر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s