العداء الأمريكي “الفاضح” لأردوغان وحكومته

أن يتأسف كبير الخبراء في “جمعية الدفاع عن الديمقراطيات”، جون هانا، لرعونة الانقلابيين الأتراك “الذين لم يراعوا القواعد الأساسية للانقلاب” بعدم اعتقالهم رئيسي الدولة والحكومة هو تجلٍ للنفاق، إذ كيف يمكن أن يعمل في جمعية تدّعي الدفاع عن الديمقراطيات حول العالم، ويتمنى في الوقت نفسه لو نال انقلابيو تركيا من رئيسها وحكومتها المنتخبين؟

وحتى لا نظلم الصديق هانا، ربما أخذته حماسته “الإستراتيجية” في مقالته في موقع “فورين بوليسي” ضد رئيس تركيا رجب طيب اردوغان، من المفيد أن نتذكر أن السيد هانا نفسه كان من ركائز سياسة “نشر الديمقراطية”، التي انتهجها الرئيس السابق جورج بوش الابن.

وعمل “هانا” مستشارا للأمن القومي لنائب الرئيس ديك تشيني، وكان له تأثير حاسم مع مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، اليوت ابرامز، في قيادة معسكر المحافظين الجدد، إلى أن انقلب بوش على هذا المعسكر داخل إدارته، فطرد وزير الدفاع دونالد رامسفلد وأقصى تشيني وسلّم الدفة لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، التي قلبت من جانبهاا السياسة الخارجية، وافتتحت سياسة “الانخراط” مع بشار الأسد في العام 2007 بعد سنتين على عزلته التي تلت اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري.

وللإنصاف أيضا، لا بد من القول إن ابرامز، صديق إسرائيل الأول منذ الثمانينيات، مازال ملتزما بمبادئه تجاه الديمقراطية، فهو من اليمينيين القلائل الذين عاكسوا إسرائيل بوقوفه ضد انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر، ووقع ابرامز عرائض تطالب برحيل الأسد، وتطالب الحكومة الأميركية باستقبال لاجئين سوريين، مشبها إياهم باللاجئين اليهود الذين حاولوا الهروب من أوروبا النازية ليجدوا أبواب أميركا موصدة في وجوههم.

لكن أمثال ابرامز المبدئيين (بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع مواقفه) قلة، وهو ما يعني تفشي حالة من النفاق العام بين المسؤولين الأميركيين، الحاليين والسابقين، والخبراء والإعلاميين، خصوصا المعنيين منهم بالسياسة الخارجية. هؤلاء يتأرجحون بين المطالبة بالديمقراطية عندما تناسبهم، وتناسيها وتأييد العسكر “العلماني” و”حامي الأقليات” عندما يناسبهم ذلك أيضا.

“خبير” أمريكي آخر يعمل في معهد “اميريكان انتربرايز” اليميني ويكتب في “فورين بوليسي”، مثل هانا، وأيد حرب العراق و”نشر الديمقراطية” هو مايكل روبن، الذي نشر مقالة رأى فيها أن على اردوغان أن “يلوم نفسه” للانقلاب الذي وقع ضده.

وانضم روبن إلى هانا وجوقة المصرّين على اعتبار اردوغان ديكتاتور، وكتب: “هناك مشكلة غرور اردوغان، فهو بعدما فاز وحزبه في انتخابات تلو الانتخابات، تخلى عن التظاهر بأنه يحكم كل الأتراك”. لا يلاحظ السيد روبن أن اتهاماته لاردوغان هي من باب الثرثرة، إذ ماذا يعني أن يمر في مقاله مرور الكرام على انتصارات اردوغان الانتخابية، وكأن الأمر تحصيل حاصل، ثم يحصر انتقاده للرئيس التركي بصفات، لا تعريف سياسياً لها، مثل مغرور؟

هذه عينة من اليمين الأميركي، الذي يفترض أنه يدعم الديمقراطية ونشرها حول العالم، مقارنة باليسار الأميركي، الذي يلعن الديمقراطية منذ زمن بعيد ويتمسك بالأسد وأمثاله، حسبما يبدو جليا من سياسات الرئيس باراك أوباما “اليساري” وفريقه.

ومن المفهوم أن يعلن “أصدقاء الديمقراطية” في العراق وإيران، مثل هانا وروبن، معارضتهم لاردوغان، لكن اليسار الأميركي يعارض محاولة اردوغان المزعومة تحويل الديمقراطية التركية إلى ديكتاتورية، وهذا اليسار نفسه لا يؤيد الديمقراطية أصلا، بل يناصر الديكتاتوريات حول العالم على أنواعها، من ميانمار إلى إيران فكوبا مرورا بسوريا.

ربما هو الإسلام الذي يزعج يمين أميركا ويسارها..لكن اليمين الأميركي لطالما تغنى بتركيا المسلمة كأنموذج للديمقراطية، حسب عرّاب هذا اليمين المؤرخ برنارد لويس، الذي تجاوز المائة من عمره.

الأسباب كثيرة ولا مجال لبحثها هنا، لكن العداء الأميركي، من اليمين واليسار، لرئيس تركيا وحكومتها هو عداء فاضح. حتى قناة أخبار “اي بي سي 7” المحلية افتتحت نشرتها بالقول إن “رئيس تركيا يحكم قبضته على البلاد بعد انقلاب”. صحيح أن انقلاب العسكر وقع في تركيا، لكن النفاق حول الديمقراطية هو في أميركا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s